ثقافة وأدب

 

المواد ترسل الى

wwwiraqiwriter@yahoo.com

 

 

لا نقبل اسماء مستعارة أو مادة مرسلة الى عدد كبير من المواقع

 

موقع الكاتب العراقي

 

تأريخ النشر

Oktober 18, 2008 09:29

Detroit Michigan U.S

 

ثمة أشياء خفية....

إعتقال الطائي

أفاقتْ من حلم غريب، فتحتْ عينيها، استدركتْ حواسها، لكنها لم تعِ ما ترى، وراحتْ تطوف بنظرها حواليها بين النوافذ، لم ترَ شيئا. لقد غرق الحقل والجبل والبيت في بحر من الحليب نفثته سماء الخريف المنذرة بقدوم الصقيع، مما سبب لها كدرا وخيبة أمل بالتنزه أو العمل في الحديقة قبل أن يهطل الثلج لتغفو الطبيعة تحت كفنه في سبات عميق.

بعد الفطور جلستْ في غرفة المعيشة قرب الموقد تحاور زوجها متأملة الرذاذ الكثيف، آملة بانقشاعه.

"لا جدوى" 

رددَتْها بسأم.

تناول كل منهما كتابه، فغاب زوجها في روايته، وهي في مجموعة قصصية، فرحتْ باستلامها ـ مع توقيع الكاتب ـ.

وبالرغم من دفء المكان وحميميّته ، إلا أنهما يشعران في هذا الجو الذي يفرض عليهما البقاء داخل البيت وكأنهما حبيسا سجن بعيد عن الطبيعة.

وبينما يغوران في عوالم كتابيهما تحت صمت تُسمعُ فيه تكات الساعة الصغيرة الرتيبة، تسرّبَ إلى أذنيها صوت غريب، وقفت لتتطلع من النافذة عبر الضباب الكثيف، فرأت أجساما مكورة وحركة مريبة بين سنابل الحقل راسمة صورة هلامية. حدّقتْ مركزة بشدة إشباعا لفضولها.. تشتتَ الضباب بعض الشيء، وفجأة صارت حركة الجسمين المكورين واضحة وقريبة من السور. خروفان يؤديان مراسيم التكاثر غير آبهين بالرذاذ والبرد، مبتعدان بعض الشيء في خلوة عن قطيع الخراف الصغير المشبّع صوفه بالرذاذ.

كأنها لم ترَ مشهد الخراف هذا من قبل، فراحت تتفرج عليه كظاهرة طبيعية نادرة. ضحكتْ ساخرة من عفويتها وطفولتها التي مازالت تحتفظ بها وهي في عامها السبعين.

هل نسيتْ سهلَ ريفِ المدينة الصغيرة التي ولُدتْ فيها وتعلمتْ وأصبحتْ مدرّسة لأجيال عديدة حتى انتقالها إلى هذه القرية الجبلية حيث ينعمان بسنين التقاعد التي باتت مملة في أيام الشتاء المعتمة الطويلة، بعيدَيْن عن ضجيج الطلبة وحوارات المعلمين؟

هل نسيتْ مراسيم ذبح الخراف قبل أعياد الميلاد؟

وهل استطاعت خمسة عشر عاما في هذه القرية أن تنسيها ذكرى يوم عرسها وذبح العجل والخروف لوليمة زفافها؟

فوجئ الزوج بضحكتها التي انتشلته من عالم الكلمات. راح ينظر إليها مستغربا ومستفسرا بنظراته عن سبب كركرتها. يحدق في الساعة محاولا لفت انتباهها إلى الوقت، ينبغي عليها القيام بواجباتها المنزلية. لم يعد يملك ذاك النشاط الذي كان محسودا عليه بين أقرانه، فآلام مفاصل الركبة تكاد تقعده أياما دون حراك وبالذات في أيام الخريف الرطبة.

التفتتْ نحوه، رأته يتعكز على يد كرسيه ساعيا للوقوف، أسرعت نحوه مادة يدها، لكن رجولته وغروره منعاه من قبولها. ثم تدارك الموقف كيلا يجرحها قائلا: 

ـ لا أريد أن أكذب عليك، لا أقوى على الوقوف بسهولة، لكني وددتُ رؤية ما يضحككِ.

ـ أوه! لا شيء ..

لقد أخفى حقيقة رؤيته هو أيضا لمشهد الخروفين الذي انعكست صورته في زجاج النافذة المقابلة له.

سكتَ، واضعا كتابه على المنضدة، ناظرا إليها بحب وحسد وهي تتجه بمشيتها الأنثوية نحو المطبخ مرددة:

ـ هناك ثمة أشياء خفية يا عزيزي...

13.11.2005

بودابست