ثقافة وأدب

 

المواد ترسل الى

wwwiraqiwriter@yahoo.com

 

 

لا نقبل في زاوية ثقافة وأدب مواد منشورة أو سبق نشرها على النت. الكاتب الذي ينشرفي موقعنا لأول مرة  عليه إرسال صورة شخصية وسيرة ذاتية قصيرة.

 

موقع الكاتب العراقي

 

تأريخ النشر

Oktober 18, 2008 09:29

Detroit Michigan U.S

 

 

ذاكرة الأشياء: الناظور

 

اعتقال الطائي 

 

تمددتُ على سرير العمليات الصغرى بعد أن تم التخدير الموضعي للحنجرة والقصبة الهوائية، لإجراء فحص بالناظور للرئة، وبالرغم من رهافة ورقة الطبيبة ونعومة صوتها وحجمها الضئيل، إلا أنني شعرت وكأنني بين يدي جزار، أو بالأصح كنت أشبه بالدجاجة التي كان يذبحها أبي أو أحد إخواني عندما يمسك بجناحيها مرتكزا بثقله عليهما، يخرج لسانها قاطعا رقبتها ليروي تعريشة العنب بدمها. وقبل البدء بالفحص وضعوا غطاءً على عينيَّ مدعين بذلك خوفهم من أن يدخل فيهما سائل أو شيء آخر، أو ربما كيلا أرى ما يجري حولي ومعي. طالبين مني أن أفكر بشيء جميل. وبذلك كانوا قد أسدلوا الستار على النور، فاظلمّ المكان. أدخلوا الناظور كأفعى تبحث في تجاويف شجرة عن غنيمة، فرُحتُ أتلقف الهواء، وركبتاي ترتعشان لكني لم أقو على رفع يدي كما رفعتها في طفولتي للضرب على جدار الغرفة المعتمة مستغيثة بأمي التي جاءت راكضة لاهثة لتصيح:

" روحوا صيحوا أخوكم .. أبوكم، البنية صار بيهة خنّاق "

حملوني وأسرعوا بي إلى الطبيب الذي تساءل عن الظرف الذي سبب المرض. فرد أخي ضاحكا:

" يابة طلعت بالمظاهرات، وتگول أختهة: چانت تمص نومي حامض وتهتف"

عندما قامت الثورة في الرابع عشر من تموز في عام 1958 كنت وأختي في ناحية الكفل عند جدتنا حيث كان خالي مديرا للناحية. كان اسمه مطر، لكنه لم يكن معطاءً كالغيث، فلم يُرزق بطفل حتى من زوجته الثانية "وسيلة" التي تركته بلا وسيلة للإنجاب، لأنه أراد ضربها كما اعتاد فعل ذلك مع الأولى كلما غضب، بالرغم من طيبته التي لم نعرف لها حدودا. لكن جدتي كانت مصرة على أن الزوجتين عاقران، وعلى حد قولها:

" مطر كلشي مابي راح لبغداد، فحصوا وشافوا بزرة يُنغُش".

 في ذلك الصباح التموزي سمعنا صوت خالتي تنادي:

" مطر.. ولك دادة مطر افتح الراديو ثورة .. ثورة بالبلد!! "

ركضنا نحن أيضا ملتفين حول الراديو ونشيد الثورة يعلو في الفضاء.

" قولوا معي.. قولوا معي.. الله .. الله أكبر"

الله أكبر فوق كيد المعتدي…

وفرحنا لفرح الكبار، ولا أدري من أين جلبت خالتي المداليا التي زُينتْ بصورة جمال عبد الناصر لتتدلى على صدورنا، بعد أن تُلبِسنا أجمل الأثواب خارجين العصر إلى الشارع مفتخرين بها أمام الناس، وكأن خالي وجمال عبد الناصر صانعا الثورة. وأحببنا مع الكبار أيضا الزعيم الأوحد عبد الكريم قاسم. وأصبحنا كالببغاوات نردد ما يقوله الكبار، ونجلس معهم جنب الراديو منصتين إلى خطاب الزعيم الذي مازلت أحفظ مقاطع منه:

" أيها الشعب إنني منكم وإليكم، وأعاهد الله على أن أكون مخلصا لكم… الخ…"

وذات يوم وبعد حوالي عام على الثورة رأينا صورته في القمر. ـ والغريب وأنا في هذا السن مازلت أرى الصورة نفسها في القمرـ البدر الذي خدر عقولنا الصغيرة. وتحول حب عبد الناصر إلى كره شديد وأقاموا الدنيا وأقعدوها، ونحن الأطفال لا نفقه سر ما يدور حوالينا. كنا نركض في الشوارع كالمعتوهين وليس هناك من يصدنا ويعيدنا إلى بيوتنا. هتفنا لعبد الناصر ثم شتمناه عندما جاء الخبر عن اغتيال الزعيم الأوحد فخرجنا إلى الشارع باكين هاتفين:

"ماكو زعيم إلا كريم"

" عزّوا جمال عفلق الحوراني"

وكنت أعتقد أن الأسماء الثلاثة هي واحد. وهل تعرف الببغاوات معنى ما تردده؟

ويهتف جمع آخر:

" عاش الشعب السوري عاش.. بقيادة خالد بگداش"

وكنت أشعر بجفاف في حلقي فأرطبه بين هتاف وهتاف بقطرات الليمونة، حتى بح صوتي. وتعب الجميع وانحلت المظاهرات، وتناثرت جموعها كأوراق الخريف، فعاد الصغار من ذلك المهرجان منهكين، مكللين بنصر الأبطال. لقد شاخوا في طفولتهم.

لم يعنِ وجودنا أو غيابنا شيئا للآخرين، فالجميع مشغولون بالفوضى وزعيمهم الجريح. جرجرتُ قدمي اللتين أضناهما الركض، وداستهما الأقدام العملاقة، صاعدة إلى غرفتنا الصغيرة، فتمارين درس الحساب في انتظاري، وبينما كنت أضرب الأرقام ببعضها البعض، أحسست بضربة مطرقة تهوي على رأسي طارحة إياي في الفراش. إنها الحمى. فادلهمت الحجرة، ولم استطع ازدراد ريقي وغبت في كابوس أفقت منه وأنا أنهش الجدار بأظافري التي لم تقدم لي في هذه اللحظة عونا في خضم الألم.

" عليكِ بالاسترخاء سنخرج من الرئة، شكرا على صبركِ.. اهدئي.. اهدئي!"

امتزجت الأصوات، ورددتُ على الأسئلة الثلاثة في آن واحد.

صوت أمي: تطلعين بعد بالمظاهرات؟

صوت ابنتي وهي في العاشرة من عمرها: ماما.. تقبلين آني هسة أركض بالشوارع بالمظاهرات ويّة الكبار؟

والطبيبة تمسك بيدي بحنو متسائلة: هل آلمك جدا حينما اقتطعت عينة من الرئة؟

انسابت من عيني دمعة، رادّة على جميع الأسئلة بحرفين " لا ".

 

تشرين ثاني ـ نوفمبر 2006

بودابست