ثقافة وأدب

 

المواد ترسل الى

wwwiraqiwriter@yahoo.com

 

 

لا نقبل اسماء مستعارة أو مادة مرسلة الى عدد كبير من المواقع

 

موقع الكاتب العراقي

 

تأريخ النشر

Oktober 18, 2008 09:29

Detroit Michigan U.S

 

 

ذاكرة الأشياء

 

اعتقال الطائي

الموت في الشتاء يقترن بالأشجار العارية في هذا البلد البارد النائي عن الوطن. إلا أن الوطن لم يعرف الموت في الأشجار بل اقترن اسمه بالأحبة والغرباء في كل فصول السنة، لنظلَّ نسمع خبر مأساة انتقالهم إلى اللحد البارد.

حزن دفين يكبّل روحي كلما تذكرتُ وجوه من غابوا فكل وجه أو اسم ارتبط بشيء رصعته في ذاكرتي.

نهران ضما إليهما نهراً ثالثاً كلما عبرته رأيتهما فيه، رأيت وجه الطفلة والمراهقة في الفرات العذب، والشابة في دجلة. ثم الدانوب حتى مرت السنون ومعها العمر، فهل سأظل أرى الوجه يشيخ في مرآته؟

على الجسر أرى وجه رضية النحاتة الوديعة، في قيض ظهيرة تموز والريح اللافحة تعبث بشعورنا ومازال صدى صوت العمال الساخرين منا بتعليقاتهم اللاذعة يخدش أذني، كان الجسر مُلكنا لأنه لا يوجد معتوه غيرنا يتمشى في عز الظهيرة على جسر الجمهورية الذي قُصف بعد غيابنا وأعيد بناؤه وشهد ويلات وحروب، وظلت مياه دجلة تنساب غير آبهة بكل ما جرى ويجري. لكن رضية رحلت إلى الأبد ولا يمكن استرجاعها. 

أين هو صاحب الزمان الذي طالما انتظرناه مع أمي؟ عبثا نذرتْ له الشموع التي بقيت تعوم وتعوم في نهر الفرات حتى ذابت وانطفأت شعلتها. وبقي الزمن على حاله، لا بل تغير من سيئ إلى أسوأ، ورحلت أمي وبقي الفرات يأخذ شموع جيل بعد جيل لتنطفئ قبل أن تلتقي صاحب الزمان... ويطول الانتظار.

طائر بلون الرمل المعشّق بالأحمر، الفاختة رفيقة العمر، لكم كانت فرحتي عارمة بها، لم أصدق أذني يوم سمعتها تنشج أغنيتها في شرفة البيت في المدينة البعيدة بعد وصولي لها بيومين. تذكرت إنها أنا، وأنا هي يوم وقع الاختيار علي للقيام بدور لا دور له في تمثيلية في مناسبة ربما كانت وطنية في مدينتنا الحلة، لم أنطق بحرف واحد وإنما تسأل المرأة من المرأة الأخرى التي أرافقها ب:

ـ من وين هاي الفختاية؟

وصار الصغار يسخرون مني وينادونني بالفختاية. لكن الفاختة ظلت وتظل بنت مدينتنا لأنها تسأل في كل زمان ومكان نائحة:

كوكوتي وين أختي؟

بالحلة

وشتاكل؟

باگلّة

وشتشرب؟

مي الله

وبعد خمسة وعشرين عاما وطأت قدمي أرض الوطن ولكن ليس جسر الجمهورية، ولا الجسر الجديد في الحلة (كان اسمه آنذاك). وفي السيارة عددت بسرعة أعمدته وكانت ثمانية عشر، ملأتني الغبطة، ما تزال كما هي وذاكرتي لم تخدعني يوم عددتها في العاشرة من عمري كل يوم أعود فيه من المدرسة إلى البيت في حي بابل. وتذكرت باقلاءها الشهيرة. وقررت ألا أعود بدونها. لكن الوقت لم يسمح لي بشرائها من مدينتها.

حان موعد العودة والباقلاء بقيت في أكياس سوق الشورجة الذي حدث فيها انفجار كبير ورفضت أختي اصطحابي إلى هناك. وظلت حسرة رؤيته في قلبي إلى هذا اليوم. وقبل السفر بيوم، صممت على شراء بذور الباقلاء لأزرعها في حديقة دارنا. وأخيرا حُلت المشكلة بالذهاب إلى محل قريب من بيتهم، صاحبه شاب صديق لابن أختي. دخلنا الدكان وبعد دقائق انقطع التيار الكهربائي وعلى ضوء شمعة صغيرة بحث عن الباقلاء، لكنا انتظرنا عودة الكهرباء ورحت أسأل البائع مازحة معه:

ـ أكيد راح تنبت وناكل منها باگلة؟

فأكد لي ضاحكا بأنني سأشبع من محصولها وسأتذكره.

وغرست البذور في التربة ومع كل بذرة كنت أتذكر كل ما رأيته في الوطن ووجه الشاب الطيب، ويا للبهجة! نبتت الباقلاء وكبرت في أرض تجهل لغتها، لكنها تفهم لغة من زرعتها، فكنت أكلمها كل يوم وأدعو الله أن يحميها من برودة الجو التي تباغتنا غفلة. وأزهرت ونَمَتْ وحان قطافها، وكانت كالكنز، لم أصدق ناظري. وكأنها كومة من الأحجار الثمينة، وضعتها على المائدة وطلبت التقاط صورة لي معها، كنت فخورة بها وبنفسي وكأنني خلقتها بيدي وأطلقت عليها اسم: "باقلاء الفرات" كان بودي أن يراها البائع الطيب الذي أضاف عليها حفنة أخرى كهدية.

قبل بضعة أسابيع حكيتُ لأختي عن مجهودي في الحديقة.. صمتتْ ثم قالت:

ـ لقد قتلوا الشاب الذي اشتريتِ منه الباقلاء.

سألت عن السبب، فقالت:

ـ لأنه شيعي.

لم أزرع هذه السنة الباقلاء حزنا عليه، حتى أننا لم نذق طعم باقلاء الفرات المجففة بعد.. خزنتها في قنينة وأغلقت عليها الباب.. أخرجتها، وضعت يدي على خدي أنظر إلى تلك الحبات التي ستظل في مكانها تعيدني إلى الوطن، لكني لن أرى الشاب الطيب الذي نام تحت التراب. وذرفت دمعة كبيرة.

لم أعرف اسمه، سيّان عندي، ليكن محمد أو علي أو عمر أو عيسى أو موسى، أعرف شيئا واحدا هو أنه كان  عراقياً طيباً.

اعتقال الطائي

بودابست 6.7. 2006