ثقافة وأدب

 

المواد ترسل الى

wwwiraqiwriter@yahoo.com

 

 

لا نقبل في زاوية ثقافة وأدب مواد منشورة أو سبق نشرها على النت. الكاتب الذي ينشرفي موقعنا لأول مرة  عليه إرسال صورة شخصية وسيرة ذاتية قصيرة.

 

موقع الكاتب العراقي

 

تأريخ النشر

Oktober 18, 2008 09:29

Detroit Michigan U.S

 

 

ذاكرة الأشياء: قطرة العين

 

اقترحتْ علي طبيبة الأمراض الصدرية الذهاب إلى طبيب العيون بعد تجرعي كمية كبيرة من المضادات الحيوية التي قد تؤثر برأيها جانبيا على النظر. وبعد الفحص الدقيق ابتسمت الطبيبة الشابة التي كانت تلثغ بالسين موضحة:

"لا توجد أية مضاعفات وعيناك سالمتان قياسا إلى عمرك.. وكما يبدو أنه عائد لقوة الجينات".

لكني أخبرتها بأنني أشعر بجفاف في عيني، فكتبت لي قطرة مؤكدة على جودتها.

شكرتها وغادرت العيادة.

في الصيدلية وأنا أقف في طابور طويل من المنتظرين، والذين بدا التذمر واضحا على وجوههم لبطء حركة الدور، كانت امرأة عجوز تولول لاعنة الطبيب و صانع القطرة التي سببت لها حرقة في عينيها... وفجأة تهادى إلى أذني صوت أمي قادماً من بعيد وهي تقول بحرقة:

" لعنة الله على الساعة المشؤومة اللي حطوا بيهة قطرة بعيونك بسجن نگرة السلمان!"

في عام 1948 كانون الأول، ارتعش الجنين في رحم أمه، حين سمع صرختها وهي تبكي ابنها المنتفض مع رفاقه الطلبة ضد الأستعمار المستبد والملكية. لقد اقتادته الشرطة من مدرسته للتحقيق معه. وجاء الخبر اليقين: "اعتُقل في نگرة السلمان".

بعد تعذيب طويل، حُكم عليه بالسجن لعامين ونصف.

كانت تحمد الله على أنه لم يُقتَل أو يُعدَم. إلا أنها بكت، صامت عن الزاد واعتصمت في غرفتها، كان يعزّ عليها رؤية النور وولدها، إبن العام التاسع عشر يقبع في سجن الصحراء.

وبالرغم من أنها كانت تلطم وتضرب ظهرها بالجدار حزنا على ولدها غير آبهة بمن تحمله في رحمها، فقد ظل الجنين متشبثا بحبله السري الذي مازال يربطه بها حتى هذه اللحظة وهي ترقد في قبرها. لم ترأف به، تعلّم الجنين الصبر والحرمان والجَلَد المتسرّب من مشيمة أمه إليه كالغذاء.

نما، كبر، وحانت ساعة المخاض في آذار 1949. الولادة عسيرة، ليس للأم قوة تعينها على دفع الجنين الى النور. نور محاط بجدران العتمة.

ُولدتْ، كان تسلسلها الرابع عشر، والبنت الثامنة. لم يرق وجودها للقابلة التي أصيبت بخيبة أمل حال رؤيتها للأنثى..

كانت الطفلة هادئة، ترضع وتنام، هذا ما أثار قلق الجدة فكانت بين الحين والآخر تقرصها كي تتأكد من أنها مازالت على قيد الحياة مخاطبة إيّاها:

"أنت تنامين مرتاحة وأخوكِ يتعذب بالسجن؟"

اربعون يوماً مضت، كانت الأم تعدها بنفاد صبر وتلهف. جهّزت حالها واستعدتْ مع والدي للسفر. حملتني وانطلقا باتجاه الصحراء إلى قضاء السلمان حيث نقرته "السجن". وبالرغم من أن الصيف لم يطرق الأبواب بعد، إلا أن نورالشمس المتسرب عبر النافذة لا يطاق في عربة القطار الذي أقلهم عبر الصحراء، فكانت تحجب نورها وذرات الرمل الذهبية المتطايرة عن الرضيعة بعباءتها، وكانت تهدهدها مندّية شفتيها بالماء المحلّى بالسكر كلما بكت.

وصلوا في عزالظهيرة، توسلت الأم إلى حارس السجن طالبة السماح لإدخال الطفلة معها، دون جدوى، أُجبرتْ على تركها خارج السجن، حيث كانوا يتركونها قرب الحارس في مكان على الرمل.

اندهش الابن لرؤية والده وقد احدودب ظهره من الهم، وأمه التي انهكها الفراق، تساءل : ـ والطفلة؟

ـ تركناها برة ، ما سمحوا لنا ندخِّلها، يخافون اذا حطينا مناشير بقماطها.

انتحبت الأم، لطمت على وجهها حينما رأت ذراع ابنها التي كُويتْ بالحديد المتوقّد. تسأله عن الطعام والشراب، وتناوله ما أعدته له من كل ما اشتهت نفسها له. والصغيرة في الخارج على الرمل، تنضاع كفرخ الطير، ولكن، ليس هناك من يزقّها.

انتهت الزيارة. وخرجت كمن أقُتُطعتْ نتفة من قلبها. أسرعت نحو ابنتها، رفعتها إلى صدرها، وظلت الطفلة فاغرة فمها باحثة عن ثدي أمها عبثا، فالأم عاجزة عن إرضاعها وهي في تلك الحالة النفسية.

" ماكان غير مي البرميل المصدّي والحليب الصناعي تشربه وتكبر" 

وتعود أمي بعد سفرة شاقة طويلة لتدخل غرفتها مكسورة، حزينة، لم تسمح لنفسها بالنوم في سطح الدار مع العائلة.

" شلون يغمض لي جفن وأتنعم بهوه السطح وابني نايم بظلمة السجن".

وكانت الطفلة تعيش ظلاما آخرَ مع أخيها دون إدراكها بما يدور حولها.

مرت بضعة أيام، وأغمضت الرضيعة عينيها، لكنها هذه المرة لم تقو على فتحهما، وتلوب متوجعة باكية والرمص يسيل منهما، ارتعبت الأم وأسرعوا بها إلى الطبيب خشية من إصابتها بالتراخوما. وراحوا يجربون أنواعاً عديدة من القطرة، لكن بكاءها يزداد يوما بعد يوم. مرت ثلاثة أسابيع دون تحسن ملموس، مما ضاعف حزن الأم واشتد قلقها لأن وضع الصغيرة ربما سيمنعها من زيارة ابنها.

" شلون بينه، بعد اسبوع عالمواجهة وعيون هاي الطفلة ما طابت، وأخاف أعيفهة برة عالرمل!"

وحان موعد الزيارة، وكان هواء الصحراء ينفث لهبا. وتكرر المشهد وتوسلت أمي إلى الشرطي كي يرأف بحال الصغيرة فعرّتها من ملابسها ولفتها أمامه بقطعة قماش، وأدخلتها السجن معها.

قدِم المعتقَلون ومعهم أخوها الذي تلقفها فرحا برؤية أصغر أخواته.

" هذي يمة أختك اعتقال، سميناها مثل ما ردتْ "

لم يكن وحده سعيدا بها، تسابق رفاقه لرؤيتها، وتصف أمي التي كانت وقتذاك في التاسعة والثلاثين من عمرها أحدهم:

" إجة شاب طويل مثل البطل، حلو، وجهه مثل فلعة الگمر، اسمه رافد.. يمكن كان طبيب لو صيدلي، سأل: وين اعتقال؟ خلي أشوفهة.. ولما شاف عيونها، راح ورجع بيده قنينة صغيْرة وگال: أخذي هاي القطرة، هذي مصنوعة بسجن نگرة السلمان ، استعمليها.. وهسة تشوفين شلون راح تطلع عيونها قوية! "

واستعملتها أمي، وهكذا شفتْ عينيَّ قطرة الرافد الجميل.

شعرتُ فجأة بأن عينيَّ لم تعودا جافتين، وقبل أن تسقط دمعة صغيرة منهما، ارتفع صوت البائعة في الصيدلية:

" تفضلي سيدتي!"

استلمتُ القطرة. وفي طريقي إلى البيت دفعني فضول غريب لمعرفة مكان صناعتها، فأخرجتها من حقيبتي " صُنعت في ألمانيا" ...

ولكن... ليس في معسكرات الاعتقال.

اعتقال الطائي

بودابست أيلول 2006