اعتقال الطائي
يتشابك نسيج غربتي
بكثافة عندما يمر نهار بأكمله دون أن أتفوه بكلمة من
لغتي الأم، أو أسمع حرفا واحدا منها. لذا ألجأ في بعض
الأحيان إلى القراءة بصوتٍ عالٍ. لكنني اليوم استعنت
بالتلفزيون كي أسمع اللهجة العراقية، فاستوقفني برنامج
ينقل الواقع العراقي بلا رتوش. فتجمدت نظرتي على
التنور.
امرأة تسعى لتوفير
لقمة الخبز لعائلتها، ولابد من إطعام النار، لا حطب
ولا خشب، فتضطر لحرق بعض قطعٍ من أثاث البيت. لتضعها
في التنور الذي أمسى جزءً من التراث، وأصبح اليوم قطعة
ثمينة لا يُستغنى عنها. وبينما تضع المرأة رقاقة الخبز
فيه...
تراءت لي يد جدتي
البيضاء تستند على التنور. كانت قصيرة القامة، حاولتْ
الوقوف على مرتفع لتنحني على فوهته، وبينما هي تتضرع
إليه، رفعت يديها طالبة من هذا المكان المقدس أن يعين
ابنتها على الولادة فزلت قدماها ووقعت فيه. ومنذ تلك
اللحظة اعتبرتني ـ وبالرغم من حبها لي ـ نذير شؤم
لأنني ُولدت وأخي في السجن، وذنبي الآخر هو أنني البنت
الثامنة فسلطت القابلة لعنة الرب علي، وأصيبت بعد ذلك
بالعمى.
قبل ثورة الرابع عشر
من تموز 1958 اجتمع أخوتي فمسك أحدهم بالطبشور وبدأ
يرسم على بلاط الحوش خارطة تصميم بيتنا المُنتظَر،
أصغت أمي لهم بكل حواسها وفجأة سألت:
"وين التنور؟"
اندهش الجميع خاصة
وأنهم لم يتذكروا صورتها ذات يوم وهي تخبز، ولم يكن
لنا أصلا تنور في أي بيت سكناه، هكذا أملتْ علي ذاكرة
الطفولة.
وكانت الفرحة فرحتين
احتفالا بالبيت وبالثورة. تربع التنور في زاوية
الحديقة الخلفية، وكان من السهل شراء الحطب وأعداداً
هائلة من كرب النخيل، ولكن من سيخبز؟ أعلمتنا أمي منذ
البداية أنه ضروري لشوي السمك واللحم والباذنجان ولخبز
فطائر العيد الكليچة بدلا من حملها إلى فرن السوق، أو
لصنع الخبز باللحم. ومع ذلك راحت تبحث عن الحل فصنعت
مخدة مستديرة الشكل لا أعرف بماذا حشتها بحيث أصبحت
صلدة متماسكة. وهكذا علّمتْ أخواتي كيف يمسكنَ بها بعد
أن تُربطُ الذراع بقطعة من القماش وتكون الرقاقة
جاهزة، وما عليهن إلا لصقها على جدار التنور.
واستمرت الحال على هذا المنوال كلما صارت الرغبة ملحة
لدى أولادها بأكل ما يشتهون من مشوي ومخبوز في التنور.
كان لإحدى أخواتي
نصيبا وافرا من زيارة التنور، وكأنه عقاب لها لأنها
لسبب ما تركت المدرسة، حتى جاءها العريس وهي بملابس
الخبز، توردت وجنتاها من نار جمرات التنور وتفجّرِ
بركان أنوثتها. كانت في التاسعة عشر من عمرها، وكانت
لها غمازتان أضافتا لوجهها سحرا قريبا إلى الروح سواء
ابتسمت أو لم تبتسم حتى رحيلها أبدا وهي لم تطرق باب
الخمسين بعد. وخفتت نار التنور وهمدت بعد زفافها.
مرت سبعة شهور على
زواجها، و شبت النار في تنورنا وفي أرض الوطن في شهر
شباط عام 1963. ولكن هذه المرة لم تحضّر أمي العجين
ولا اللحم، إذن ما الذي دعاها لإضرام النار فيه وفي
ذلك اليوم الماطر؟
لم أنزل من غرفتي إلا
بعد أن سمعتُ صوت والدي وأمي تترجاه أن يخفض صوته
مرددة:
" إش إسكت! گبل مايجون
ونتعزّه "
ركضتُ خارجة إلى
الحديقة الخلفية فوجدت أمي تشد من جهة وأبي يحاول
تخليص الكتب من ألسنة اللهب من جهة أخرى، سائلاً
إياها:
" يا بنت الأوادم
تعرفين منو هذا؟ " مشيرا إلى صورة الكاتب.
" لا.. لا ما أعرف ...
ما أعرف، بس أعرف شي واحد، هذا عنده لحية "
دفعني الفضول لمعرفة
الرجل الملتحي، فانحنيت على التنور لأجد نصفا من وجه
الكاتب الروسي تشيخوف يحترق مع طائره النورس. التفتُ
متطلعة في ما يدور حولي فوجدت مجموعة من الكتب في كومة
على الأرض لرجال ملتحين أنقذهم أبي من جحيم تنور أمي،
من بينهم أرنست همنغواي، َسلِمَ من النار لأن الشيخ
كان يركب البحر. وبعد مشادة بينهما طلبت أمي من أبي أن
يحفر حفرة في الحديقة ويضع الكتب المتبقية في تنكة
ويقبرها في التراب.
راح أبي يجمع الكتب
وبين ساخر ومغتاظ يصفّها في التنكة ويردد:
" لا حول ولا قوة إلا
بالله، عبالهة كل واحد عنده لحية هو ماركس أو لينين،
حتى ما تعرف منو هم، سامعة شيوعيين وخلص!"
وصدقت نبوءة أمي، فجاء
زوار الليل وفتشوا قبل كل شيء عن الكتب وكنت أشارك
كبرى أخواتي المتعلمات غرفتها فلم يجدوا إلا كتب
المدرسة وبعض الكتب التي لا وجود لصور ملتحين على
أغلفتها كقصة مدينتين والأرض الطيبة وكتب طه حسين
ونجيب محفوظ. أما أبي فقد احتفظ بثلاثة كتب هي: رأس
المال لماركس وحياتي لهتلر والكتاب الأحمر لماوتسي
تونغ تحت وسادته.
وكانت أمي تزور تنورها
بين الحين والآخر وعلى وجه التحديد قبل أيام الزيارات
إلى سجن الحلة لتحضّر خبز اللحم لأحد أخوتي. وكان
نصيبي منها خمسة عشر رغيفا، يوم عدت من المدرسة في عصر
ربيعي فاحت رائحة القداح فيه، فوجدتها حزينة والدمعة
تترقرق في عينيها، تجلس جنب التنور وأمامها عجين الخبز
باللحم الذي كاد يطفح من الطبق. لكم كانت فرحتها عظمى
بوصولي فصاحت بصوت حنين حزين:
" همزين جيتي يمة..
خواتك اليوم عدهن شغل إضافي بالمدرسة وباچر المواجهة
ونروح للسجن، تعالي.. ساعديني.. لا تخافين من النار!"
وبينما كنت أخلع الزي
المدرسي كانت قد أضرمت النار في التنور، وربطتْ ذراعي
وشعري، وكنت أجد متعة كبيرة وأنا ألصق رقاقة خبز اللحم
الواحدة تلو الأخرى على جدار التنور المتوهّج، وكأنني
أقوم بعمل جبار مازلت أفخر به حتى اليوم.
وبرد التنور بعد آخر
زيارة للسجن في ربيع سنة 1965. أما المفارقة الغريبة،
فأن أخي بعد الإفراج عنه، رُزق بابنه البكر في الثامن
من شباط عام 1966 ليظل يحتفل بهذا اليوم طوال حياته.
وظل التنور بلا خبز
ولا دعاء. صار رماده كالماء الزلال يطفئ شبق نار الفتى
المراهق، فبقفزة واحدة عليه، تكون صورة ابنة الجيران
ماثلة أمامه بلحمها ودمها، ويروح يختلس النظر من بين
فروع الأشجار إلى سيقانها وجزءً صغيرا من فخذيها وهي
تنحني على الغسيل لتنشره، ثم تدخل الدار متغنجة في
مشيتها. ترتجف أوصال الفتى فينط من على التنور خائباً
وبقع السخام ترقّط أنفه ويديه. كنت أكتم ضحكاتي بينما
أتلصص عليه من شباك غرفتنا.
وقبل أن تبدأ المشادة
بيني وبين أخي الذي كان يخشى من أن أبوح بسره، ارتفع
صوت المذيع ليعيد بي إلى عراق اليوم قائلا:
" شر البلية ما يضحك،
يعني هذه السيدة أحرقت أثاث بيتها حتى تشعل النار
بالتنور لتطعم عائلتها في هذا الزمن الذي صار التنور
فيه قطعة من التراث الشعبي العراقي".
11. 9 . 2006