ثقافة وأدب

 

المواد ترسل الى

wwwiraqiwriter@yahoo.com

 

 

لا نقبل اسماء مستعارة أو مادة مرسلة الى عدد كبير من المواقع

 

موقع الكاتب العراقي

 

تأريخ النشر

Oktober 18, 2008 09:28

Detroit Michigan U.S

 

ذاكرة الأشياء

خصلة شعر

 

اعتقال الطائي

بودابست أيلول

1996

بالرغم من صغر سنها، إلا أنها كانت تعلم جيدا أن شعرها الحنائي الطويل ملفت للانتباه. لذا بقيتْ مصرة على عنادها بأن تطلقه. وبعد التوسل إليها وإقناعها، اتفقنا على ربط الخصلتين الأماميتين كيلا تزعجاها عندما تلعب.

في ذلك النهار الأيلولي المشمس، لم نذهب بعيدا، كان ملعبها المفضل ساحة قريبة من دارنا مطوّقة بأشجار الزيزفون والكستناء البرية وشجيرات البندق، إلا أنها كانت تفضل تسلّق فروع الشجيرات. كنت أراقبها وأتذكر بستان النخيل قبالة دارنا فأتفاخر بمهارتي أمامها يوم كنت في سنها وكيف تسلقتُ النخلة بسرعة السنجاب.

وبينما هي تلعب، كنت أنا أيضا أطلق ذاكرتي لتخرج من دهاليزها تارة، وتارة أخرى أغيب بين ثنايا الكتاب الذي يسرقني منها فأغفل عنها. وفجأة تعالى نداؤها:

" ماما .. ماما الحگيلي .. العنكبوت.. العنكبوت بظهري "

ارتعبتُ، رميتُ الكتاب على المصطبة وهرعتُ لمساعدتها. أنزلتها من على الشجيرة، باحثة عن العنكبوت وقلبي كاد يقفز من بين أضلاعي ليس خوفا من الحشرة الصغيرة، بل خوفا عليها من الخوف. لم أجد عنكبوتا، كانت خصلة شعرها قد تسللت إلى ظهرها فأرعبتها.

وضعتها في حضني أهدهدها. وأخاطبها أحيانا بالفصحى :

" لا تبكي يا ابنتي الحبيبة "

انحنيت عليها دافنة وجهي في شعرها البني القاتم، فقادتني دكنته إلى عتمة شارع مدينة الضباط المؤدي إلى حي " زيّونة " في بغداد حيث كنت أسكن عند كبرى أخواتي.

في ليلة من ليالي ـ أيلول 1979ـ بخَلَ القمر علينا بضوئه. وبقيت النجوم وحيدة، عبثا تشع ألقها الذي أضفى جمالا لا غير لتلك الظلمة. وكانت بغداد مضطربة، حزينة كأهلها. والأمهات ينتظرن بفارغ الصبر عودة الأزواج والأولاد. وتنتشر الحكايات.

"أخذوا فلانا من دائرة عمله. هاجموا أحد البيوت من سطح الدار في منتصف الليل وانتزعوا الأب من دفء فراشه. واختطفوا فتاةً من الشارع في وضح النهار ورأى الناس جسدها في السيارة وأرجلها ترفس خارجا محاولة الدفاع عن نفسها".

منذ صغري وأنا أعشق السير في الظلمة ليتلاشى العالم من حولي وأظل أتأمل السماء وسكانها.

في ذلك الليل القاتم، أين اختفى البشر؟ كنت بأمس الحاجة إليهم. انطلقت مشياً من بيت أختي الأخرى في مدينة الضباط حتى وصلتُ إلى مفترق الطريق كي أدخل شارعنا وإذا بضوء ساطع يُوَجَّه نحوي من سيارة رابضة في الركن كوحش متربص لغنيمته. أصِبتُ بالذعر، لم أعد أرى أي شيء ولم أسمع سوى دقات قلبي الذي كاد يتوقف.

" ها هم قادمون لا محال، لحظات وأكون بين أيديهم، وسيفعلون بي ما يشاءون، وأمي ستموت في الفور. ولكن لماذا، أي ذنب اقترفت؟ "

حثثت الخطى، دون جدوى. كنت أتعثر كمن كُبلتْ قدماه بسلاسل من حديد. رفعت يديَّ المرتجفتين عاقفة شعري إلى الخلف حتى لا يحجب الرؤية. كنت أعرف تماما عدد الخطوات من الشارع الرئيسي إلى البيت، ورحت أعدها خطوة.. خطوة، وأنا في غمرة هلعي ساورني إحساس بالفرح عند وصولي إلى خطوتي الثلاثمائة، وبأنه لم يتبق غير خمسين خطوة للنجاة من الخطر. وسرت كالعمياء باسطة ذراعي، حابسة أنفاسي حتى كدت أختنق، مددت يدي لأدفع باب الحديد الباردة، وإذا بي أشعر وكأن أصابع تمتد من الجانب نحو وجهي وستشد على عنقي. ارتعبت وانتفضت كالطائر الذبيح.

"هذه هي نهايتي.. النهاية الحتمية".

ازدردتُ ريقي بصعوبة، تجمدتُ في مكاني بانتظار النهاية. وسمعتُ خشخشة اعتقدتها صادرة من ملابسهم. ثم حل صمت مخيف كالموت. التفت بتوجس أرقب المكان. لم أر أحدا. 

لم تكن سوى خصلة شعري.

نَفَرَتْ عندما داعبَتْها نسمة أيلول النعسانة.

أخَذْتُ نفسا عميقا دافعة الباب بعناء. جرجرتُ خطواتي بتثاقل نحو باب المطبخ التي وجدتها مواربة... دخلت.

فوجئتُ بوجود أمي التي جاءت من الحلة في زيارة لبناتها، كانت تجلس كعادتها على السجادة واضعة يدها على خدها كأي أم عراقية أضناها الهم. كان بودي  لو وضعت رأسي في حضنها ونمت. وبعد السلام ردت علي معاتبة:

" ليش يمة .. ليش تجين بالليل؟ مو آني أخاف عليكم!"

حاولت ستر خوفي أمامها وسألتها ضاحكة بلا مبالاة:

" من شنو تخافين علينه؟ "

تنهدتْ بعمق.

" أخاف عليكم من الخوف "

عادت أمي إلى مدينتنا الحلة، وتركتْ صدى عبارتها يرن في أذني والخوف ينهش روحي.

وأيقنتُ وقتذاك أنها كانت محقة في قولها عندما خشيتْ علينا من الإصابة بداء الخوف.

وبعد أقل من شهر، حملتُ تمثالها الصغير ورحلتُ دون أن أودعها. وظلت تبكي، ولم تكف عن البكاء إلا ساعة احتضارها عندما سألتْ إحدى شقيقاتي التي انحنت عليها، تتلو القرآن، وكانت رؤيتها قد تضببت ظانة أنها أنا فتمتمتْ سؤالها الأخير:

" رجعتي؟ "

" إي رجعتْ " أجابتها أختي.

ونامت مطمئنة أبداً.

شعرتْ ابنتي بحرارة دموعي، فاضطربتْ هازة كتفي مواسية ومقلدة إياي بقولها:

" لا تبكي يا أمتي الحبيبة ! "

عبارتها أضحكتني، ويا للمصادفة الغريبة في خطئها حينما خلطت بين كلمتي أمي وأمتي.

" لا تبكي يا أمتي الحبيبة؟ "

راحت ابنتي تمسح دموعي بأناملها الصغيرة، مرددة بنبرة حزينة:

" ماما.. ماما.. لا تبچين.. هسة نروح لبغداد ونشوف بيتكم بالحلة ونصعد النخلة "


التمثال للكاتبة نفسها وهو نفس التمثال المشار اليه في النص