ثقافة وأدب

 

المواد ترسل الى

wwwiraqiwriter@yahoo.com

 

 

لا نقبل اسماء مستعارة أو مادة مرسلة الى عدد كبير من المواقع

 

موقع الكاتب العراقي

 

تأريخ النشر

Februar 18, 2009 01:23

Detroit Michigan U.S

 

 

ذاكرة الأشياء: حمّام النساء

 

اعتقال الطائي

 

أشعر بالمتعة في تدريس اللغة العربية لأبناء وبنات بلد ( المجر ) الذي أقيم فيه وأنا أتلفظ مخارج حروفها وأشرحها كلمة.. كلمة، وكانت أكثر الكلمات التي يصعب على الأجنبي التفرقة بينها هي ثلاث: الحمّام والحَمام والحِمام.

سألتني الطالبة المجرية اليوم عن الرابعة بضم الحاء "الحُمام"، لكن ساعتها انتهت. ودعتها وأسرعت لأنزل من على الرف المعجم، فسقطت مجموعة صور طُبعتْ بشكل أنيق للفن التشكيلي العراقي. اصطحبتها معي إلى المطبخ لأتفرج عليها حتى ينضج الغداء. أول الصور كانت للنحات خالد الرحال، نحت بارز لنساء عاريات ممتلئات الأجساد وبحركات جميلة جدا يستحممن في حمّام النساء، كانت أمهاتنا يسمينه حمّام السوق. كان القِدر على النار ينفث البخار. رفعتُ الغطاء عنه لأضع قليلا من الملح، لم أرَ الطعام فيه، بل كان شارعاً في حي الوزيرية صباح يوم ربيعي تكاثف فيه الضباب. عند باب أكاديمية الفنون الجميلة نزل النحات من سيارته وبيده جورية صفراء. صرت قبالته. سبقني إلى التحية ثم ناولني الوردة بحميمية, قائلا:

" قطفتها من حديقة منحتي في الصباح الباكر. "

ارتبكتُ بعض الشيء لكن سحر الوردة المندّى بالضباب راود أنوثتي فأنساني ارتباكي. شكرته وحثثتُ الخطى لأصل إلى قاعة النحت قبله، حيث كان يقف إلى جانبي أحد زملائي الذي قلّما نسمع صوته، له وجه كوجه الرهبان، وأصابع يكاد تمثاله ينطق من تحتها. لم ينظر مقبل جرجيس في عيون البنات. كنا نحبه جميعا، لكن الشباب الملاعين يقرصونه بين الحين والآخر بالكلمات. هذا الفتى مقبل أذهلني بتمثال العجوز الشمطاء، تقرفص عارية وقد تيبّس جلدها على العظم. بحْلقتُ بوجهه تارة وأخرى بالتمثال ثم سألته:

" من هذه ؟ "

ابتسم وقال:

" إنها عمشة. "

ثم أضاف بخجلٍ :

" رأيتها بحمّام النسوان في الموصل وهي التي قالت لأمي عندما لمحتْ عيني تحوم بين النساء: هذا ابنك كبر، لا تجيبي معاك للحمّام. "

بعد سنوات في نهارٍ صيفيٍ ساخن كان مقبل جرجيس الصامت يركض خلفي في شارع السعدون. التفت إليه وارتسمتْ بسمة الفرح على وجهينا لذاك اللقاء غير المتوقَع، لكنه لم يعد مقبل الصامت الذي عرفناه، لقد أسمعني كلاما لم أسمعه خلال سنوات الدراسة الأربع. كانت الكلمات تندلق من فمه كماء الدلو، ولدهشتي لم أفقه وقتها معنى كلماته ورسختْ في ذهني عبارته التي رددها أكثر من مرة: " أنا لن أتزوج لأن المسيح لم يأتِ عن طريق الخطيئة ".

وغاب مقبل ولم أسمع أخباره قط حتى دار الحديث بيني وبين أختي التي كانت تعرف جميع زملائي قائلة: مات مقبل، قتلوه في السجن بتهمة التبشير.

لم أملك إلا دموعا أذرفها لخسارة راهب كاد يصبح أشهر نحات. أخذ الحِمام الراهب مُقبل ولم يرَ جسد المرأة إلا حينما كان طفلا في حمّام النساء. 

عدت أتأمل العمل النحتي البارز البديع لخالد الرحال. تجمّدت عيني على الليفة.

في مطار بودابست قبل أكثر من ستة وعشرين عاما، كان موظفو المطار يفتشون حقائب شابتين فسقطت بأيديهم ليفتا الحمّام وصابون الغار، عرفت في الفور أنهن عراقيات لم يجرؤن التكلم أمام الآخرين وكان سؤالي خبيثا لهن:

" جايات سياحة؟ "

اضطربتا ورددتا:

" طبعا، طبعا. "

وبالرغم من وضعي النفسي السيئ آنذاك فقد ضحكت بداخلي وتساءلت: أكو واحد يروح سياحة وما يستغني عن ليفته وصابونة الرگي (الغار) لفترة قصيرة ؟ 

انتهت مراسيم التفتيش وخرجتُ. لم يكن في استقبالي أحد حيث لا أعرف أي كائن في هذه المدينة، لكن شابا قصير القامة شاحب الوجه اندفع نحوي لاهثاً:

" مرحبه.. ما.. ما شفتي.. خواتي؟ "

ابتسمت له وأجبته:

" شفتهن .. شفتهن وصلن."

وأكملت بداخلي ما لم أجرؤ على قوله له .. "هنّ وليفهن". 

ومن الجهة الأخرى تقدم مني رجل أسمر ابتسم منحنيا أمامي:

" أهلا يا فندم، الحمد الله عالسلامة، أنا كنت معجب بحضرتك في العراق. جيت مع صديقي الكردي نستقبل أخواته. أهلا، أهلا."

لا أنكر سروري بهذا الترحيب غير المُنتظر. لكن الحزن يحرق روحي. خرجت من قاعة المطار فاقترب مني رجال ببدلات أنيقة وشوارب وضحكات ماجنة كريهة. فقال أحدهم:

" أهلا وسهلا أكو أحد بانتظارك ؟ تعالي ويانة نوصلك."

كانوا من أمن السفارة العراقية. شكرتهم بأدب وجلست على عتبة الرصيف، انطلقوا بسيارتهم وصوت شريط الكاسيت يصدح بأغنية عراقية جميلة ما زلت أرددها:

يا حمامة شلون طرتي، شلون طرتي؟

وعلى عش الغير رحتي ، شلون طرتي؟

وآني ربيت، هواية داريت

شنو ذنبي لغيري صرتي؟

يا حمامة

دون وعي مني راحت أصابعي تتحسس الطاسة في صورة منحوتة الرحّال. إنها السلاح الوحيد الذي كنا نستخدمه ساعة العراك بالحمّام في طفولتنا.

كان يحزّ في نفسي عدم رؤيتي لحمّام النساء الذي كانت جدتي تتحدث عنه، فاقترحتُ على أخواتي في بغداد الذهاب إلى حمّام الكاظمية. وكنت متلهفة وفي أشد التوق للتعرف على بنايته. استأجرنا قمارة (هكذا يسمونها) وهي حمّام صغير داخل الحمّام الكبير. ومن شدة الحياء وخوفنا من أن تدخل إلى قمارتنا إحدى المستحمات وضعنا المصطبة خلف الباب. ويبدو أننا لم نكبر بعد فبدأت المشادة بين أخواتي على الطاسة. احتبس البخار الكثيف في تلك الحجرة الصغيرة حتى أغمي على كبرى أخواتي، فتركنا الصابون والليفة وانشغلنا بإسعافها ولم يبق للحياء في تلك اللحظات العصيبة أي أهمية ففتحنا الباب على مصراعيها وأخرجنا البخار وانتهت مراسيم الاستحمام بالنجاة من الموت " الحِمام".

لملمنا ليفنا ورمينا الطاسة في الحوض الصغير. ألبسنا أختنا وغادرنا الحمّام متعبات خائبات، وكان يقف الشباب على مقربة من بناية حمّام النساء ليسمعوهن التعليقات اللاذعة التي كان نصيبنا منها هو:

ـ هاي شنو ؟ ليش طلعن من الحمّام وجوهن صفر وما متفّحات ؟

أنقشع بخار القِدْر، ولم استنشق سوى رائحة الأكل المحروق، ارتعبتُ وشحبَ وجهي خوفا من اللوم وعدم توفر الغداء. وضعتُ الصور جانبا، فتحتُ نافذة المطبخ بقوة فهبّ من على الشجرة الحَمامُ وطار.

اعتقال الطائي

بودابست 13. 7. 2006