|

للكاتب الأمريكي دان
براون ترجمة: رافع الصفار
|
الفصل 56
ظلت صوفي تحدق في وجه تيبنغ للحظة قبل أن تستدير ناحية لانغدن وتسأل:
- لم أفهم، كيف يكون الكأس المقدسة
شخصا؟
أومأ لانغدن برأسه مؤكدا وهو يقول:
- بل وامرأة أيضا.
ومن خلال التعبير المبهم الذي ارتسم على وجه صوفي، أدرك بأنها على وشك
أن تفقد إدراكها المنطقي، فتذكَّر موقفا مشابها حدث له عندما سمع بذلك
للمرة الأولى. ولم تتضح في ذهنه علاقة ربط الأنثى بالكأس حتى فهم
الرمزية التي بنيت عليها تلك العلاقة.
ويبدو أن تيبنغ أيضا أدرك حالة الفتاة.
- حان دورك الآن يا روبرت كي تشرح لها العلاقة الرمزية بين الأنثى
والكأس.
وتحرك ناحية طاولة قريبة، جلب منها ورقة وضعها أمام لانغدن.
أخرج لانغدن قلما من جيب سترته وقال:
- أنتِ دون شك على معرفة بالإيقونات الحديثة التي ترمز إلى الذكر
والأنثى.
وراح يرسم على الورقة الرمزين اللذين يشيران إلى الذكر (♂)
والأنثى (♀).
هزت صوفي رأسها مؤكدة، بينما استمر لانغدن في حديثه الهادئ مضيفا:
- لكن هذه ليست الرموز الأصلية للذكر والأنثى. كثير من الناس يفترضون
خطأ بأن الرمز الذكري يمثل درعا ورمحا بينما الرمز الأنثوي يمثل مرآة
تعكس الجمال. الحقيقة ليست كذلك على الإطلاق، فالرمزان لهما أصول فلكية
قديمة وبالتحديد كوكب الإله مارس وكوكب الإلهة فينوس. الرمزان الأصليان
بسيطان جدا.
وراح لانغدن يرسم إيقونة أخرى على الورقة.

ثم قال معلقا:
- هذه هي الإيقونة الأصلية التي تشير إلى الذكر. ببساطة شديدة فهي ترمز
إلى الشكل الأولي للعضو الذكري.
أجابته صوفي قائلة:
- ذلك واضح تماما.
وأضاف تيبنغ مؤكدا:
- كما هو دائما.
عاد لانغدن ليواصل حديثه قائلا:
- رسميا تعرف هذه الإيقونة باسم (الشفرة)
وهي تمثل الرجولة والسلوك العدواني. وما يزال هذا الرمز الذكوري يستخدم
حتى يومنا هذا في الملابس العسكرية للإشارة إلى الرتبة.
قال تيبنغ وهو يكشر كاشفا عن أسنانه:
- وكلما زاد ما تملك منها، كلما علت مرتبتك. الرجال هم الرجال.
هز لانغدن رأسه وهو يكمل قائلا:
- أما الرمز الأنثوي فهو الشكل المعاكس تماما.
ورسم شكلا آخر على الورقة.

 
- ويطلق على هذا الشكل اسم الكأس.
كانت الدهشة ترسم خطوطها على وجه صوفي. عندها تأكد لانغدن بأنها تمكنت
أخيرا من إدراك العلاقة بين الكأس والأنثى. أضاف قائلا:
- الكأس هنا هو الوعاء الذي يرمز إلى رحم المرأة ومعبرا عن الأنوثة
والأمومة والخصوبة.
وكان لانغدن ينظر مباشرة في عيني صوفي.
_ تخبرنا الأسطورة بأن الكأس المقدسة وعاء، لكنها لا تعطينا له وصفا.
هذا الترميز إنما هو محاولة لحماية الطبيعة الحقيقة للكأس المقدسة.
بمعنى آخر فإن الأسطورة تستخدم الكأس مجازا لشيء آخر أكثر أهمية.
أجابته صوفي قائلة:
- امرأة.
رد عليها لانغدن مبتسما:
- تماما. فالكأس حرفيا هي الرمز القديم للأمومة، والكأس المقدسة تمثل
الأنثى والإلهة المفقودة، أو بتعبير آخر التي تم إقصاؤها من قبل
الكنيسة. قبل ذلك كانت للمرأة قدسيتها باعتبارها مصدر الحياة. لكن
الكنيسة (الذكورية) في فترة بروزها وتعاظم سطوتها رأت في المرأة تهديدا
مباشرا لها فشنت ضدها حربا شعواء واعتبرتها كائنا مدنسا مرتبطا
بالشيطان. هو الإنسان إذن، وأعني الرجل، وليس الله من أوجد مفهوم
الخطيئة الأولى عندما تذوقت حواء التفاحة فكانت سببا في سقوط الجنس
البشري وخروجه من الجنة. المرأة التي كانت كائنا مقدسا ومانحا للحياة،
صارت العدو الأول.
تدخل تيبنغ معلقا:
- اسمحوا لي أن أضيف بأن مفهوم المرأة مصدر الحياة هو أحد الأسس
الرئيسية في ظهور الديانات القديمة، إذ اعتبروا الولادة طقسا غامضا
ومبهرا.
ولكن للأسف الشديد فإن الكنيسة هي التي قررت أن تسلب من الأنثى دورها
الإبداعي بإهمال حقيقة بيولوجية لا جدال حولها واعتبار الرجل هو المبدع
والخالق. قصة الخلق والنشوء الواردة في الإنجيل تخبرنا بأن حواء خلقت
من ضلع آدم، وهكذا صارت المرأة نتاجا من الرجل. هذه القصة وضعت بداية
النهاية لموضوع المرأة باعتبارها إلهة ومصدرا للحياة.
عاد لانغدن ليقول:
- الكأس إذن هي رمز للإلهة المفقودة. عندما ظهرت ونشأت الديانة
المسيحية، فإن الديانات الوثنية لم تمت أو تندثر بسهولة. إن أساطير
الفرسان الباحثين عن الكأس المفقودة كانت في الحقيقة قصصا عن البحث
المحرم للعثور على الأنثى المقدسة المفقودة. الفرسان الذين ادعوا بأنهم
يفتشون عن الكأس إنما كانوا يستخدمون الرمز طريقة لحماية أنفسهم من
الكنيسة التي كسرت شوكة المرأة، وأحرقت العديد من النساء تحت ذريعة
ممارستهن للسحر والشعوذة، وحرمت على الوثنيين تبجيلهم للأنثى المقدسة.
هزت صوفي رأسها وهي تقول متسائلة:
- المعذرة، ولكنك عندما قلت بأن الكأس المقدسة شخص، اعتقدت أنك تعني
شخصا حقيقيا.
أجابها لانغدن بثقة:
- وهذا ما عنيته. نعم، شخص حقيقي.
نهض تيبنغ واقفا على قدميه وهو يقول:
- وليس أي شخص. إنها امرأة حملت معها سرا، لو كشف هذا السر فإنه سيقلب
كل المفاهيم التي نعرفها عن الديانة المسيحية.
تساءلت صوفي وهي في حال من الدهشة والاستغراب:
- وهل هي امرأة معروفة لدينا
_ نعم، الجميع يعرفها.
قال تيبنغ هذا وهو يتحرك بعكازتيه عبر الردهة، ثم أضاف:
- واذا تفضلتم معي إلى المكتب، فسيكون لي الشرف أن أعرض لكم لوحة لها
من رسم دافنشي.
(يتبع)
أبو ظبي 29/06/2006
الفصل 58
لم يكن مكتب تيبنغ يشبه أي مكتب آخر سبق لصوفي أن رأته في حياتها. ست
أو سبع مرات أكبر من أكثر المكاتب رفاهية. كان أشبه بورشة عمل تكتظ
فيها الأشياء ابتداء من مختبر العلوم وانتهاء بالمجلدات والمستندات
والوثائق الأرشيفية. وكان مضاء بثلاث ثريات تتدلى من السقف، بينما
أرضية المكتب الفسيحة مغطاة بجزر من المكاتب المدفونة تحت الكتب
والأعمال الفنية، إلى جانب كمية هائلة من الأجهزة الالكترونية: حاسبات،
عارضات، ميكروسكوبات، وماكينات طباعة وتصوير واستنساخ.
قال تيبنغ وقد بدا عليه الحرج:
- وجدت من المناسب أن أحول قاعة الرقص إلى مكان أستفيد منه.
شعرت صوفي بأن الليلة بأكملها قد تحولت إلى سلسلة من المفاجآت والألغاز
حتى ضاعت لديها تماما القدرة على التوقع. وتساءلت وهي تتفحص المكان:
- هل كل هذا من أجل عملك؟
أجابها تيبنغ قائلا:
- البحث عن الحقيقة صارت كل حياتي، وال(سانغريل)
هي معشوقتي.
الكأس المقدسة امرأة. حدثت صوفي نفسها وقد تحولت رأسها إلى مجمع تتداخل
فيه الصور والأفكار فما عادت تدرك لها معنى محددا.
- قلت بأن لديك صورة للمرأة التي تدعي بأنها هي الكأس المقدسة.
- نعم ولكنني لست من يدعي بأنها الكأس. المسيح نفسه صاحب هذا الادعاء.
عادت صوفي تتساءل وهي تتفحص الجدران:
- أين هي اللوحة؟
وتحرك تيبنغ حوله متظاهرا بأنه يبحث عن اللوحة
- آآآآآ...نعم، اللوحة، أين هي؟ الكأس المقدسة، ال (سانغ ريل)،
الكأس...
ودار حول نفسه ثم أشار فجأة إلى الجدار البعيد، حيث علقت نسخة من لوحة
العشاء الأخير.
- تلك هي اللوحة.
بدا على صوفي الحيرة.
- انها نفس اللوحة التي أريتني إياها قبل لحظات.
غمز تيبنغ قائلا:
- نعم، هذا صحيح. لكن تكبيرها سيكشف لنا أمورا مثيرة. ما رأيك؟
استدارت صوفي ناحية لانغدن مستنجدة:
- لم أفهم شيئا.
تبسم لانغدن وقال:
- يبدو أن الكأس المقدسة موجودة في لوحة العشاء الأخير.
قاطعته صوفي قائلة:
- انتظر. لقد قلت لي بأن الكأس المقدسة امرأة، والعشاء الأخير لوحة
لثلاثة عشر رجل.
ضم تيبنغ حاجبيه متسائلا:
- أهي حقا كذلك؟ ماذا لو تفحصتِها عن قرب؟
اقتربت صوفي من اللوحة وهي في شك مما يجري حولها وراحت تتفحص الشخوص
الثلاثة عشر: يسوع المسيح يتوسط الجلسة، ستة من أتباعه على يساره، وستة
آخرون على يمينه. قالت مؤكدة:
- كلهم رجال.
تساءل تيبنغ قائلا:
- حقا؟ ماذا عن الجالس في موقع الشرف إلى اليمين من السيد المسيح؟
راحت صوفي تتفحص بإمعان الشخص الجالس إلى اليمين من يسوع، وكانت دهشتها
تزداد كلما زادت تمعنا بهيئة ذلك الشخص. كان شعره أحمر منسدلا، ويداه
رقيقتين، والصدر يبدو مرتفعا. كانت الصورة من دون شك لأنثى.
قالت صوفي مندهشة:
- نعم، إنها امرأة.
وانطلق تيبنغ يضحك:
- مفاجأة! صدقيني ليس هناك خطأ على الإطلاق، وليوناردو يعرف كيف يظهر
الفرق بين الجنسين.
لم تستطع صوفي أن تبعد عينيها عن المرأة الجالسة إلى جانب السيد
المسيح. يفترض بالعشاء الأخير أن يضم ثلاثة عشر رجلا، فمن تكون هذه
المرأة؟ وعلى الرغم من أن صوفي قد رأت هذه اللوحة الشهيرة مرات عديدة،
فإنها لم تلحظ ولا مرة واحدة هذا الاختلاف.
أضاف تيبنغ معلقا:
- نعم غالبا ما يفوت الجميع ملاحظة ذلك، وهذا متأت من قوة الفكرة
المسبقة المتسلطة على الذهن والتي تمنع المرء من رؤية الحقائق الشاخصة
أمامه.
تدخل لانغدن قائلا:
- وهذا ما يعرف بال(سكوتوما)،
وهو غالبا ما يحدث مع الرموز والأشكال الشديدة الألفة.
يعود تيبنغ ليقول:
- سبب آخر لذلك، أن العديد من الصور الفوتوغرافية في كتب الفن أخذت قبل
عام 1954 حيث كانت ما تزال التفاصيل مخفية تحت طبقات من
الأوساخ والتعديلات التي أدخلت على اللوحة على أيدي العديد من فناني
القرن الثامن عشر. ولكن الآن وبعد أن أعيدت اللوحة إلى أصولها وتم
تنظيفها من كل الشوائب عادت لتكشف عن وجهها الحقيقي وكما ترين هنا.
كانت المرأة الجالسة على يمين المسيح شابة محتشمة، ورعة ذات شعر أحمر
جميل ويدين مطويتين بهدوء. هذه هي المرأة التي تستطيع أن تزلزل الكنيسة
وكل ما تحمله من مفاهيم. تساءلت صوفي قائلة:
- ومن تكون؟
أجابها تيبنغ:
- إنها يا عزيزتي مريم المجدلية.
قالت صوفي بعلامة استفهام كبيرة:
- العاهر؟
سحب تيبنغ نفسا قصيرا، كما لو أن الكلمة جرحته شخصيا.
- ليس في المجدلية ما تقولين. هذا الإرث المشوه والفكرة الخاطئة هو
نتيجة الحملة الشعواء التي أطلقتها الكنيسة ضد هذه المرأة. كان هم
الكنيسة هو تشويه سمعة مريم المجدلية لتغطي على السر الخطير الذي تحمله
معها، والدور المنوط بها باعتبارها الكأس المقدسة.
- دور؟
قال تيبنغ موضحا:
- كما ذكرت من قبل، كانت الكنيسة آنذاك بحاجة إلى إقناع العالم بأن
النبي يسوع ليس بشرا بل هو ابن الله. من أجل ذلك لجأت إلى حذف كل
الإشارات الواردة في الإنجيل والتي تصف حياة المسيح باعتباره من البشر.
ولعل من أكبر المشاكل التي واجهت الذي قاموا بتدوين الأناجيل هو تكرار
ورود ذكر مريم المجدلية، وعلى الأخص موضوع زواجها من يسوع المسيح.
فتحت صوفي عينيها دهشة واستغرابا وهي تنظر إلى لانغدن ثم إلى تيبنغ.
- عفوا، ماذا تقول؟
أجابها تيبنغ قائلا:
- إنها مجرد حقيقة تاريخية، وكان دافنشي على يقين تام منها. لوحة
العشاء الأخير تصرخ بمن ينظر إليها بأن السيد المسيح ومريم المجدلية
زوجان.
عادت صوفي تتفحص اللوحة ثانية. أضاف تيبنغ وهو يشير إلى الشخصين اللذين
يتوسطان اللوحة.
- لاحظي التناسق في ملابس المسيح والمجدلية.
وتسمرت صوفي أمام الحقيقة التي تكشفت أمامها. كانت ملابسهما متناظرة.
فبينما كان المسيح يضع رداء أحمر وعباءة زرقاء، كانت المجدلية تضع
عليها رداء أزرق وعباءة حمراء.
استرسل تيبنغ في حديثه مضيفا:
- والأغرب من ذلك، يمكنك أن تلاحظي بأن المسيح وعروسه متلاصقين في
الجزء السفلي من جسديهما ويبتعدان عن بعضهما في الجزء العلوي، كي يخلقا
ذلك الفضاء بينهما.
 وقبل
أن يتمكن تيبنغ من توضيح أبعاد وشكل الفضاء الذي يخلقانه بينهما، رأته
صوفي واضحا أمامها، ذلك الشكل الذي يتمركز عند بؤرة اللوحة
. وكان شبيها بالشكل الذي سبق للانغدن أن رسمه عندما كان يتحدث عن
الكأس ورحم المرأة.
عاد تيبنغ ليقول:
- وأخيرا، لو تنظري إلى يسوع والمجدلية كعنصرين تشكيليين في اللوحة
وليس مجرد شخصين، سترين شكلا آخر يظهر أمامك. أحد حروف الأبجدية.
ورأته صوفي في الحال. قفز الحرف أمام عينيها، متوهجا كبيرا بارزا
وواضحا، ذلك هو الحرف ((M.
سألها تيبنغ:
- لا أظنك ستقولين بأنها مجرد صفة؟
تساءلت مندهشة:
- ولماذا هو هناك؟
هز تيبنغ كتفيه وهو يقول:
- أصحاب نظرية المؤامرة سيقولون بأنه يرمز الى
الزواج
أو مريم المجدلية. ولكن للأمانة، لا أحد على يقين من ذلك. الشيء الوحيد
الذي لا غبار عليه و لا جدال حوله أن الحرف الخفي هو الحرف (M)،
سواء كان ذلك بألوان مائية، أو ألوان خفية أو تشكيلات تصورية. ولعل حرف
(M)
الوحيد البارز والواضح للجميع هو ذلك المحفور على مذبح كنيسة (سيدتنا
الباريسية) في لندن والتي صممها غراند ماستر سابق لجمعية (برايوري أوف
سيون)، وهو دون شك الكاتب الشهير جان كوكتو.
قالت صوفي وهي تزن المعلومات في رأسها:
- أعترف بأن حرف (M)
الخفي مثير للفضول، رغم أنها ليست دليلا على الإطلاق بأن يسوع متزوج من
المجدلية.
رد عليها تيبنغ سريعا وهو يتحرك باتجاه طاولة تتكدس عليها الكتب:
- لا، لا . كما قلت لك من قبل بأن زواج يسوع من مريم المجدلية إنما هو
جزء من مجموعة وقائع تاريخية.
استمر في حديثه وهو بنبش في الكتب
- مسالة أخرى، إن اعتبار يسوع رجلا متزوجا هو الأمر الطبيعي، وليس
اعتباره أعزبا كما يذهب إلى ذلك الإنجيل.
- لماذا؟
بادر لانغدن إلى إجابتها بينما تيبنغ منشغل في البحث في كتابه.
- لأن يسوع يهودي، والعرف الاجتماعي لا يسمح للرجل اليهودي أن يبقى
أعزبا. وفقا للعرف اليهودي فإن العزوبية مرفوضة تماما، ومن واجب الأب
أن يجد الزوجة المناسبة لابنه. لو كان يسوع حقا غير متزوج لكانت إحدى
إصحاحات الإنجيل ذكرت ذلك وأعطت تفسيرا مقنعا لحالة عزوبيته غير
الطبيعية.
تمكن تيبنغ أخيرا من تحديد الكتاب الذي كان يبحث عنه وسحبه إليه عبر
الطاولة. كان كتابا ضخما وفخما ذا غلاف جلدي، يشبه أطلسا كبيرا. كتب
على الغلاف (Gnostic
Gospels).
فتح تيبنغ صفحات الكتاب، فانضم لانغدن وصوفي إليه. لاحظت صوفي أن
الكتاب يضم صورا مكبرة لنصوص ووثائق قديمة – قطع بالية من البردي دونت
عليها نصوص بخط اليد. ولم تتعرف على اللغة القديمة، لكن الصفحات
المقابلة كانت تضم ترجمات لتلك النصوص.
قال تيبنغ:
- هذه صور مستنسخة من كتابات نجع حمادي والبحر الميت، التي أشرت إليها
سابقا، وهي من المدونات المسيحية المبكرة. المشكلة أنها لا تتطابق مع
ما يرد في إصحاحات الإنجيل.
ومنتقلا إلى منتصف الكتاب، اشار تيبنغ إلى أحد النصوص وهو يضيف قائلا:
- إنجيل فيليب هو أفضل ما يمكن أن نبتدئ به.
وقرأت صوفي النص:
|
ورفيقة
المنقذ هي مريم المجدلية. كان المسيح يحبها أكثر من كل
مريديه وأتباعه الآخرين، واعتاد أن يقبلها في فمها. وكان
الأتباع منزعجين من ذلك وغالبا ما يعبرون عن عدم رضاهم.
كانوا يقولون له: لماذا تحبها أكثر منا جميعا؟
|
أثارت الكلمات دهشتها، لكنها مع ذلك لم تبد لها حاسمة. قالت معلقة:
- لكنها لا تقول شيئا عن الزواج
تبسم تيبنغ وهو يشير إلى السطر الأول قائلا:
- على العكس. أي أستاذ متخصص في اللغة الآرامية يستطيع أن يؤكد لك بأن
مفردة رفيقة تعني حرفيا كلمة زوج أو زوجة.
هز لانغدن رأسه مؤيدا.
عادت صوفي تقرأ السطر الأول من جديد. (ورفيقة المنقذ هي مريم المجدلية.)
راح تيبنغ يقلب صفحات الكتاب ويشير إلى نصوص أخرى والتي كانت تؤكد
بوضوح إلى وجود علاقة رومانسية بين يسوع والمجدلية.
وبينما هي منشغلة بقراءة النصوص، راحت صوفي تسترجع صورة ذلك القس
الغاضب الذي قام بزيارتهم في بيت جدها وكانت في حينها طالبة مدرسة.
- هل هذا بيت جاك سونير؟
تساءل القس وهو يحدق بغضب في الفتاة الصغيرة التي فتحت له الباب.
- أريد أن أتحدث معه حول مقال له..
وكان القس يحمل بيده صحيفة.
قامت صوفي باستدعاء جدها، بعدها اختفى الرجلان في المكتب وأغلقا الباب
خلفهما.
هل كتب جدي شيئا في الصحيفة؟
وفي الحال ركضت صوفي الى المطبخ وراحت تفتش في صحيفة ذلك الصباح. وجدت
اسم جدها على مقال في الصفحة الثانية. وقرأتها، لكن صوفي لم تفهم كل ما
ورد فيها. ما فهمته أن الحكومة الفرنسية وتحت ضغط من رجال الدين قامت
بمنع فيلم أمريكي اسمه (The
Last Temptation of the Christ
) والذي يتحدث عن ممارسة المسيح للجنس مع امرأة تدعى مريم المجدلية.
وتقول مقالة جدها بأن الكنيسة بعجرفتها وتعنتها ترتكب خطأ جسيما بمنعها
للفيلم.
وقالت صوفي لنفسها: نعم لا غرابة أن يجن القس لذلك.
وكان القس يزعق بأعلى صوته عندما خرج مندفعا من المكتب باتجاه الباب
الخارجي
- هذه إباحية داعرة وتدنيس. كيف لك أن تقر ذلك؟ إن هذا الأمريكي مارتن
سكورسيس كافر وملحد، والكنيسة في فرنسا تعتبره مطرودا منها.
وصفق القس الباب وراءه وهو يغادر المكان.
وعندما عاد جدها إلى المطبخ ووجدها جالسة والصحيفة أمامها، عبس قائلا:
- واضح أنك كنت أسرع مما ينبغي.
سألته صوفي قائلة:
- هل تعتقد أن يسوع المسيح كانت لديه صديقة؟
- لا يا عزيزتي. أنا قلت ليس من حق الكنيسة أن تفرض علينا آراء محددة
غير قابلة للمناقشة.
- هل كانت ليسوع صديقة؟
ظل جدها صامتا لبضع دقائق. قال أخيرا:
- هل سيكون الأمر سيئا لو كانت لديه واحدة؟
تأملت صوفي الوضع ثم هزت كتفيها:
- لا أعتقد أن الأمر يهمني كثيرا.
وكان السير لي تيبنغ ما يزال مسترسلا في الحديث.
- لن أثقل عليك بالمصادر والمراجع العديدة التي تشير إلى زواج يسوع
والمجدلية. لقد أشبع المؤرخون المحدثون ذلك بحثا. لكني فقط أود أن أريك
شيئا واحدا. أريدك أن تقرأي هذا النص المأخوذ من إنجيل مريم المجدلية.
ولم تكن صوفي تعرف بوجود إنجيل باسم المجدلية.
وقرأتْ النص التالي:
|
وقال بطرس: هل المنقذ حقا يتحدث مع امرأة دون علمنا؟ هل
سيصير لزاما علينا أن نستمع إليها؟ وهل هو يفضلها علينا؟
وأجابه ليفي قائلا: يا بطرس أنت دائما
حاد الطباع. والآن أراك تنازع المرأة وتخاصمها. فإذا كان
المنقذ هو من يريد أن يعطيها منزلة أعلى فمن أنت حتى تعترض
عليها؟ لا ريب أن المنقذ يعرفها جيدا فأحبها وفضلها
علينا. |
قال تيبنغ موضحا:
- إن المرأة التي يتحدثون عنها هي مريم المجدلية. ويبدو واضحا غيرة
بطرس منها.
- لأن يسوع فضلها عليهم؟
- ليس ذلك فحسب. القضية أكبر من كونها مجرد علاقة حب. في هذه الفترة من
حياته بدأ السيد المسيح يدرك بأنه سيلقى القبض عليه قريبا ويصار إلى
صلبه. لذلك راح يوجه المجدلية ويبصرها بشؤون إدارة الكنيسة كي تتولى
مسؤولية رعايتها من بعد رحيله. والنتيجة بطبيعة الحال هو عدم الارتياح
الذي أبداه بطرس ورفضه أن يكون تابعا لامرأة. ويمكنني القول بأن بطرس
كان يؤمن بدونية المرأة.
وكانت صوفي تحاول أن تبقى على تواصل مع محدثها. قالت:
- إنه القديس بطرس. الصخرة التي بنى عليها يسوع كنيسته.
- بحسب الأناجيل غير المحرفة، لم يكن بطرس من تلقى التعاليم من السيد
المسيح لوضع أسس الكنيسة المسيحية، بل كانت مريم المجدلية.
نظرت إليه صوفي وقالت:
- تريد أن تقول بأن الكنيسة كانت ستكون تحت رعاية امرأة؟
- تلك كانت الخطة. فيسوع هو نصير المرأة الأول. وكان يخطط لكنيسته أن
تكون تحت رعاية وإشراف مريم المجدلية.
تدخل لانغدن قائلا وهو يشير إلى لوحة العشاء الأخير.
- وهذا ما لم يعجب بطرس. أنظري إليه، ستعرفين في الحال بأن دافنشي كان
مدركا لمشاعر بطرس ناحية مريم المجدلية.
ومرة أخرى عقدت الحيرة لسان صوفي. في اللوحة كان بطرس منحنيا ناحية
المجدلية بهيأة تنم عن التهديد، ويده الشبيهة بنصل السكين موجهة إلى
رقبتها. نفس حركة التهديد الموجودة في لوحة (Madonna
of the Rocks).
عاد لانغدن يقول وهو يشير الى الرسل القريبين من بطرس:
- والآن أنظري هنا، هل ترين التهديد الطالع من عندهم؟
قربت صوفي ما بين حاجبيها وهي تدقق النظر في اللوحة فرأت يدا تبرز من
جمع الرسل. تساءلت قائلة:
- أليس هذه اليد تحمل خنجرا؟
- نعم، ولكن مع ذلك يبقى الأمر غريبا. لو تعدين الأذرع ستكتشفين بأن
هذه الذراع لا تعود لأحد.
كانت صوفي ما تزال تحت تأثير الصدمة.
- لكني ما زلت لا أستطيع أن أفهم كيف لكل هذا أن يجعل من المجدلية هي
الكأس المقدسة.
صرخ عندها تيبنغ وهو يسحب من على طاولة ورقة كبيرة وينشرها أمام صوفي.
كان عليها تخطيط لشجرة أنساب.
- قليلون من يدركون بأن مريم المجدلية إضافة إلى كونها الذراع اليمنى
ليسوع، كانت امرأة قوية وذات سلطة.
وتمكنت صوفي من قراءة عنوان الشجرة
قال تيبنغ وهو يشير الى موقع عند قمة الشجرة.
- مريم المجدلية هنا.
كانت صوفي مندهشة.
- هل هي من آل بنجامين؟
أضاف تيبنغ قائلا:
- المجدلية تنحدر من أصل ملكي.
_ كنت أعتقد أن المجدلية امرأة فقيرة لا أصل لها.
هز تيبنغ رأسه وهو يقول:
- بل هم اتهموها بالعهر كي يغطوا على ما لديها من روابط عائلية قوية.
مرة أخرى وجدت صوفي نفسها تحدق في لانغدن الذي بدوره أومأ لها برأسه
مؤيدا. استدارت ناحية تيبنغ لتسأله:
- مادامت مريم المجدلية ذات أصل ملكي، فلماذا إذن هذا الإصرار من قبل
الكنيسة على محاربتها؟
تبسم البريطاني وهو يقول:
- طفلتي العزيزة، المسألة لا علاقة لها على الإطلاق بالدم الملكي بل
بعلاقتها بيسوع الذي هو بدوره يحمل دما ملكيا. كما تعرفين، إنجيل ماثيو
يخبرنا بأن السيد المسيح ينتمي إلى بيت النبي داود الذي تعود أسلافه
إلى الملك سليمان، ملك اليهود. إذن بزواجه من امرأة تنتمي لعائلة
بنجامين، فان يسوع بذلك يربط بين النسبين الملكيين خالقا بذلك قوة
سياسية لا يستهان بها وتمتلك الشرعية للمطالبة باسترداد عرش أجدادهم.
بدا تيبنغ أكثر انفعالا وهو يضيف قائلا:
- أسطورة الكأس المقدسة إنما هي أسطورة الدم الملكي. عندما تتحدث هذه
الأسطورة عن الكأس التي تحمل دم المسيح....فهي في الحقيقة تشير إلى
مريم المجدلية، الرحم الذي حمل نسل يسوع.
راح صدى الكلمات يتردد في أرجاء الغرفة قبل أن يرتطم بذهن صوفي.
|
مريم الجدلية ... حملت نسل يسوع المسيح |
- ولكن كيف يمكن أن يكون للمسيح نسلا ما لم....
أوقفت تساؤلها ونظرت إلى لانغدن.
تبسم لها لانغدن برقة وهو يقول:
- ما لم يكونا قد رزقا بطفل.
وتجمدت صوفي في موضعها.
عندها بادر تيبنغ إلى القول:
- لعله السر الأعظم في تاريخ البشرية. ليس فقط أن يسوع المسيح كان
متزوجا، بل أنه كان أبا. يا عزيزتي، مريم المجدلية هي الكأس المقدسة.
إنها الوعاء الذي حمل النسل الملكي للسيد المسيح. كانت الرحم الذي حمل
الوريث، والشجرة التي خرجت منها الثمرة المقدسة.
شعرت صوفي بالشعر يتحرك منتصبا فوق ذراعيها.
- ولكن كيف لسر كهذا أن يظل مخفيا كل هذه السنين؟
- من قال لك ذلك؟ لا، لم يكن مخفيا على الإطلاق. إن سلالة يسوع كانت
على الدوام مصدرا لواحدة من أعظم الأساطير على مر العصور. تلك هي الكأس
المقدسة. وقصة مريم المجدلية على امتداد قرون المادة الأساسية لكل
أنواع المجازات اللغوية والفنية. إن قصتها في كل مكان، وسترينها شاخصة
أمامك كلما فتحت عينيك.
قالت صوفي
- ووثائق السانغريل تحتوي الدليل القاطع على نسل يسوع، أليس كذلك؟
- نعم، دون شك.
- فأسطورة الكأس المقدسة إذن هي عن الدم الملكي؟
أجابها تيبنغ قائلا:
- تماما. فكلمة سانغريل مشتقة من سان غريل أو ما تعني بالكأس المقدسة.
لكن الكلمة في شكلها القديم كانت تفصل في موضع مختلف تماما.
وكتب تبينغ كلمة على ورقة وأعطاها لصوفي التي قرأت ما كان مدونا عليها:
كان واضحا لها أن الترجمة الحرفية لهذه الكلمة هي الدم الملكي.
أبو ظبي 15/8/2006
|