ثقافة وأدب

 

المواد ترسل الى

wwwiraqiwriter@yahoo.com

 

 

لا نقبل اسماء مستعارة أو مادة مرسلة الى عدد كبير من المواقع

 

موقع الكاتب العراقي

 

تأريخ النشر

Oktober 18, 2008 09:28

Detroit Michigan U.S

 

حوار: قصة قصيرة

 

اعتقال الطائي

أنهت مهمتها في إعداد الحوار مع الفنان، لم يكن حوارا فقط بالنسبة لها، بل معايشة المكان والزمان أدت إلى إنهاكها، كان حنينها يتجسد في ذرات الرمل الحارة التي داستها قدماها الصغيرتان وهي في السادسة من عمرها، ارتعدت وقتذاك خوفا من أن تنزلق قدماها في جوف أحد القبور التي أكلها الزمن. يومها مرضت واكتوت بنار حمى الخوف.

نهضت بإعياء، ثمة شيء يثقل صدرها. في انتظارها عمل آخر، لم تقو على إنجازه في هذا الوقت المتأخر من الليل، حملت أوراقها ومجموعاتٍ شعرية إلى السرير علّها تستطيع قراءتها، لكن غمامة سوداء انسدلت على عينيها. وبالرغم من أنها سعت لفتحهما، لم ترَ سوى شررا يتطاير أمامها ويتلون بألف لون. رفعت ذراعها باسطة كفها تبحث عن شيء تلامسه، محاولة التشبث به.. لا شيء غير وردة صفراء، أخذتها بعيدا... ذاهبة بها إلى الرمال الذهبية، حافية القدمين، كلما رفعت إحداهما ابتلع الرمل الثانية، يلامس ثوبها الطويل برقة كل قبر تمرُّ به، وشّحت رأسها بحجاب أمها الأسود الذي تلفعت به في شتاءات المدن البعيدة الباردة. وتهادى في الأفق صدى صوت أمها يوم سألتها:

ـ بردانة؟ 

لم تشعر بحرارة الرمل الذي تضمخت به، فسعير الجسد طغى على كل شيء، رئتها تنفث نارا وأناتٍ أيقظت النائمين في لحودهم. جثمت على ركبتيها باحثة عن التي غابت دون وداع... لم تجدها..

زحفت .. شدت قبضتها على الرمل عبثا. سقطت الوردة عند أحد القبور، رفعت رأسها، رأت شاهدة كُتبَ عليها " مراثي الفرح.. وردة الكلام ..بعيدا عن الحافة ".

أصغت إليه..

هل جئتِ؟

أشم العطر من الثوبِ

ـ أجل جئت أبحث عن أحبتي، ها أنا عبثا أتخبط في الرمال.

هذي أنت موشحة بالحلم وبالريبة

هذي أنت تمرين سريعا

تتعثر أقدامك حافية

ببقايا أملٍ يتناثر في المنعطفات

أرخت برأسها على الشاهدة تشم عطر الوردة الصفراء..

ـ ألا تستطيع النهوض؟ أريد أن أحدثك عن الأصدقاء.

ضحك ضحكته المألوفة الساخرة وقال:

من أجلك يا سيدة الفرح الخائف

سأغازل موتي

وأسمّي الأحزان سعادة.

ـ وهل ستظل مفترِشا التراب، وملتحِفا بياض الكفن؟

ناديتك: أني سأشيخ هنا،

ويظل هواي فتياً عندك.

جفلتْ، ارتجفتْ الوردة في يدها.

ـ هواك؟ لم تبحْ لي به.

وقيل: لو تحبها تموتْ

ويوم لا تحبها تموتْ

فغبتُ في خوفي

والتحفتُ بالسكوتْ

ـ عرفت كل شيء بعد غيابك من الأصدقاء.

ها أني نمت على سيفٍ لا يعشق غيري

وكم أسعدني أنك

أدركتِ اليوم أمورا تلغي الأمسِ،

راحت تفرك عينيها، لتبعد الغمامة السوداء ظانة أنها ستراه.

لزهرتِك الآن أعينها الضارية

تترصدني

وتفتش عني

وإذ لا تراني

تحاصر ظلي وتبكي.

انزلقت قدماها على الرمال وشيئا فشيئا اندثرت في لجة دوامة ذهبية، وصارت تتلقف الهواء وحشرجة أوصدت باب الكلام. اتكأتْ على الشاهدة وكمن يصرخ في بئر انبعث صوتها من الأعماق:

ـ أين أنتم هل تروني دما ولحما، يا من جئت من أجلكم ؟

 

إني أبرأُ من جروحي

لو لمستْني عرضا يداكِ

يشهقُ بي محض أملْ

أني يوما ما

قٌد أراكِ !

ـ ها أنت تراني الآن، جئت أبوح لك بسر وهو: كنتَ أذكى الرجال. لقد امتلكتَ اسمي، هذا ما ردده الأصدقاء في الرثاء.
كانت تعتقد أن كلامها سيسرّه لكنها خُذلت عندما قال:
مرة غافلتني
من أحب

خبأتْ خنجرا في ثيابي

ثم مدّتْ يداً

رسمتْ

زهرة من دمي

ومضتْ

تبحث عمن سواي.

صارت تدور في دوامة هبطت بها إلى الأعماق فانتفضت تصارع التيار ثم استقرت على حافة هوة ظلت تتأرجح بوقفتها حتى انزلقت ثانية على الرمال المحرقة.

رفعتْ رأسها نحو السماء فداعبتْ نسمة باردة مفاجئة وجهها منذرة بالمطر.

ناداها:

ـ عودي سيدتي قبل أن يهطل المطر. في انتظارك من امتلك قلبك وسكنتِ قلبه!

لكني حين أصيح:

يا قلبي النازف لملمْ جرحكَ في منديل أبيض

قدّمه إلى معبودتك المملوءة نار

واسكتْ

أو جرب أن تنسى أنك ميتْ

وهطل المطر فأحست وكأنها خرجت من النار تركض في مرج ندي أخضر، وقطرات المطر تنساب بنعومة عبر وشاحها على رقبتها متسللة قطرة .. قطرة إلى ظهرها وبين نهديها.

انتعشتْ.

فتحت عينيها ترقب الأشياء، تحولت الحمى إلى ماء يرشح من جلدها.. تأملت المكان.. الورود الصفراء في المزهرية مازالت تحتفظ بجمالها وهي مجففة. أوراق الحوار تناثرت قرب السرير وكتب الشعر عند رأسها. فتحت الكتاب وأكملت قراءة القصيدة.

اعتقال الطائي

بودابست

2006.5.6