ثقافة وأدب

 

المواد ترسل الى

wwwiraqiwriter@yahoo.com

 

 

لا نقبل اسماء مستعارة أو مادة مرسلة الى عدد كبير من المواقع

 

موقع الكاتب العراقي

 

تأريخ النشر

Oktober 18, 2008 09:26

Detroit Michigan U.S

 
 لقاء مع الزميلة إعتقال الطائي  كاملا: أجرت الحوار لمياء نعمان

إعتقال الطائي
 

 

أجرت هذا اللقاء الزميلة لمياء نعمان وقد اطلعنا عليه قبل نشره في جريدة الصباح، ولكننا فوجئنا بحذف جوانب مهمة عديدة منه لذا ارتأيت نشره كاملا في هذا الموقع كي يطلع عليه القراء الأعزاء..إدارة موقع سومريون.نت
صحيفة الصباح البغدادية تحاور

إعتقال الطائي

 

*درست النحت وعملت فى برنامج كان مشهورا وحصلت على الدكتوراه فى السينما وكتبت القصص القصيرة وترجمت العديد من الاعمال الروائية الى اللغة المجرية وبالعكس ..فهل تعتقدين أن الابداع حالة تدفق لا يتوقف عند مسار معين ...وهل الغربة تفتح هذا المسار على مصراعيه !؟

كما أرى سنبدأ حديثنا مباشرة عن الإبداع، هذا حينما يكون المحاور على معرفة بمن يحاوره. أود أن أذكر وقبل كل شيء لمن سيطلع على الحوار بأننا عملنا معا في مركز الحرف والصناعات الشعبية، وكنتِ شاهدة على أمور كثيرة وعرفنا بعضنا عن قرب.  لكني سأجيب على أسئلتك كأي قارئة أو عاملة في مجال الفن.  أعتقد أن الحكم للمتلقي فيما إذا كان صاحب العمل الفني أو الأدبي مبدعا.

نعم الإبداع حالة تدفق لا يتوقف عند مسار معين، لكنه يحتاج إلى ظروف وعوامل تجعل المبدع يستمر في عملية الخلق، إنه لن يأتي من فراغ، عبثا نضع البذرة في التربة دون توفير ظروف مناسبة لنموها. فالإبداع يحتاج إلى موهبة أولا وهي بذرته. ولكن إذا لم ينعم المبدع بظروف تنمّي تلك الموهبة فتموت البذرة. لا أريد أن أنظّر، لأنه شيء بديهي ومعروف. بالطبع يتوقف على نوع الإبداع، في الكتابة يختلف الظرف، لقد قرأنا مثلا أعمال أدبية رائعة كُتبت في السجون، أو في ظروف تعسة جدا، وهناك من احتفظ بها، ثم بقيت لسنوات تنتظر مصيرها لترى النور.

أعود إلى الأشياء التي ذكرتها في سؤالك. نعم درست النحت ومارسته كعمل، لكن الظروف حالت دون الاستمرار، أولها: تراكم مادة الكلس في الرئة التي ما تزال آثارها لحد الآن. والحساسية المزمنة تجاه أي مادة عملت بها. إضافة إلى أن النحت يحتاج إلى مكان ومواد لم يكن بإمكاني توفيرها في غرفة صغيرة مع عائلة في الخارج. إذن فالتربة التي ذكرتُها لم تكن صالحة. أي الظروف.

نجاحي الكبير في حياتي كان برنامج (السينما والناس) الذي مازال يتذكره أبناء شعبي، وبعد كل هذه السنين ما زلت استلم الرسائل الجميلة التي تنقل إلي أصدق المشاعر والمحبة الخالصة من أناس صرتُ لهم رمزا للحنين إلى تلك السنين الجميلة. ما يدهشني أنني مازلت حاضرة في ذاكرتهم بالرغم من التطور العجيب في العالم على مستوى الفضائيات. لا أخفي عليك، هذا ما كنت أتمناه عندما قدمت البرنامج وأتذكر ردي ذات يوم على سؤال صحفي كويتي عن الشكل وأهميته، فكان ردي:

ـ سيتغير الشكل حتما، لكني أريدهم أن يتذكروا ما قدمته بعد سنين طويلة. ولا يقولوا كانت جميلة ولكنها ليست مثقفة وغبية.

وهذا ما حصل بالفعل فما زال الجميع يتذكر المعرفة قبل كل شيء. ولكن المعرفة والدراسة ليست كافية أيضا لكي يكون المقدم ناجحا خاصة في تقديم برنامج ثقافي جاد، عليه أولا أن يختار لغة يستطيع بها مخاطبة كل المستويات، ولا يفترض أن يكون المشاهد غبيا ولا يكون المقدم متعاليا والأهم من ذلك ألا يضع جدارا زجاجيا بينه وبين المشاهد. عليه أن يأخذ بيد المشاهد ويرتفع به، لذا لم يكن عبثا ما فعلت. كنت أحظى بحب نسائنا البسيطات اللاتي يجهلن القراءة والكتابة وكانت فرحتي عظمى حينما قالت بائعة الخضار للمذيع عندما سألها من تحب وأي برنامج تفضل فذكرت اسمي قائلة: يمة هذي  تاج راسنا تمثّلنة.

وفي نفس الوقت لا أؤمن بالمقولة الشهيرة " الجمهور عاوز كدة "هذا المطب الذي ما تزال تقع فيه أغلب مقدمات البرامج الآن. لا أريد أن أطيل الحديث عن البرنامج.

 

الغربة.. بالنسبة لي جرح لا يلتئم. مهما ينعم الفرد بسعادة ونجاح في حياته الخاصة لكنه يتحسر عندما يلمس ذلك الجرح. يذكرني بقول أمي عندما كانت تقول: للأم أنّات بعدد أولادها، ولكن لمن لم تلد أنّة واحدة. فالغربة هي أنّتي للوطن الواحد الذي تركتُ فيه جذوري. وبما أن صورة الوطن تلازمني كظلي لذا تجدين في كل ما أكتب ولو خلف السطور بشكل أو بآخر هذه الغربة. وحتى في اختيار القصائد التي ترجمتها إلى العربية.

 

*المنفى لا تسميه المنفى.. وانت أحدى الشخصيات الاعلامية التى ضايقها النظام السابق فاضطررت لشد الرحال الى هنغاريا للدراسة واستكمال حياتك ...ماذا شكلت لك كل تلك السنوات من الغياب القسري عن الثقافة العراقية؟ 
المنفى؟

كلمتان صارتا تشكلان بالنسبة لي حساسية جديدة هما: المنفى والديمقراطية.

بالطبع لا أسميه المنفى، أتذكر أننا درسنا في التاريخ أن فلانا نفي إلى جزيرة ما الخ..

وهل سمعتِ بأنه أحرز على شهادات وعمل وبيت ووطن آمن يعيش فيه بحرية؟ عندما يعيش شعبنا في داخل الوطن ويُطحن بين حجري رحى القمع الدكتاتوري والقتل والحرب من جهة والحصار وصواريخ أمريكا من جهة أخرى ليصبح معزولا عن العالم في جزيرة اسمها العراق ومحروما من كل شيء، إذن أين المنفى؟ ليس أولادنا في الخارج حُرموا من الأمان في الدول التي نعيش فيها، لا أنكر أن الكثيرين عانوا قبل الاستقرار ولكن قضاياهم حُلت لاحقا.. يجب علينا أن نميّز بين ظروفهم ولا نضع المهاجرين في كفة واحدة مع من هُجّروا قسرا وُرمي بهم على الحدود بعد الاستيلاء على كل ما يملكون، هم منفيون بالفعل. وهؤلاء لا يتساوا مع من حمل حقيبته حتى دون أن يُضطهد ليعيش خارج العراق. ولا يسمي كل من غادر العراق نفسه بالمنفي.. لا ننسى أيضا أن ما يسمونه بالمنفى قدّم فرصا لأناس لم يحلموا بها في وطنهم فدخلوا الجامعات ونالوا على المنح الدراسية والشهادات العليا من كافة الجنسين، وبعد سقوط النظام وهنا أيضا يجب أن نميز بين من أسرع متلهفا للعودة الى  الوطن وتوفير الجو لعائلته كي يعودوا جميعا، وبين من شد الرحال ليسبق و ليتبوّأ مناصب مهمة خوفا من أن يشغلها من بقي في العراق وتحمل كل المآسي. لذا علينا أن نكون دقيقين في التسمية. وأفضّل مصطلح ما أسميته أنتِ بالغياب القسري.

بالنسبة لي. عانيت من المضايقة بكل أشكالها التي لا توصف، من إشاعات وتشويه سمعة، وجرجرة بين الحين والآخر إلى الأمن والمخابرات، وأشياء عديدة لا أود ذكرها الآن، كان سببها هو فوزي بالجائزة الأولى كأحسن مقدمة برنامج وكأفضل برنامج ثقافي، فكان لابد من أن أُستدعى لكسبي للعمل في جهاز الأمن. لم أرضخ وكنت مصّرة على أن أحافظ على استقلاليتي وما زلت. قيل لي: إن أحد الكبار سألهم: إنها كسبت الملايين وانتم لا تستطيعون كسبها؟

ودبروا أشياء كثيرة أرادوا بها النيل مني. لكني بقيت إلى آخر لحظة انتظرت فيها رد أكاديمية العلوم المجرية على استلام أوراقي التي قدمتها قبل عام، تلك كانت أمنيتي منذ صغري أن أكمل دراستي في الخارج، ولو لم استلم الرد بالموافقة لما خرجت من العراق وهل أنا أفضل من بقي وتحمل الظلم والاضطهاد ككثير من المبدعين والمفكرين وذوي الكفاءات ؟ وبما أن من بقي كان في عزلة لذا حُرمنا تماما من الثقافة العراقية وفصلت بيننا وبينهم هوة. أتمنى مستقبلا استعادة ما فقدناه، في البداية كانت تصلني بعض الأشياء ولكن بعد ذلك انقطع بيننا كل شيء، لا أريد أن أدخل في موضوع النماذج الأدبية التي كتبت في تلك الفترة لأنها صارت الآن موضوعا للنقاش الدائر بين كتاب الخارج والداخل إضافة إلى أنني لست بناقدة أدبية أو محللة سياسية. وحتى الفنانين لم يسلموا من القبضة الحديدية فرسموا ونحتوا.

 

*المبدعون والمثقفون العراقيون يقيمون فى كل أنحاء العالم وقد شكلوا حضورا للثقافة والادب والفكر والفن العراقى والذى همش داخل الوطن ...فهل تعتقدين أن الاوان قد حان لآنتشاره كابداع عراقى وعربى  متميز !؟

نعم خرج العراقيون وبينهم المبدعون والمثقفون كل يحمل تجربته الخاصة، واستطاعوا نقل تجاربهم ومعاناتهم وإسماع أصواتهم بطرق مختلفة فبينهم من صدرت كتبه في الثمانينات في الدول الجارة يكتب بالرمز.  للحرب الحصة الكبرى في كتاباتهم وبجرأة، بينهم من حمل السلاح في كردستان وعانى من كل أنواع الحرمان تجدينه في قصصهم الإنسانية، التي يحوم فيها الموت حولهم بدءا من الحرب في الداخل وانتهائهم في إيران.. المرارة في فقد أحبتهم. في أغلب القصص ترين كابوس النظام القمعي يطاردهم في كل مكان، غربتهم في دول تشير إليهم بأصابع الاتهام بسبب لون بشرتهم. الحزن الدفين والتوق لرؤية أزقتهم القديمة التي كانت يوما ملاعب صباهم. ومنهم من مات بحسرة لرؤيتها. أكذب لو قلتُ لك أنني قرأت كل ما كتب في المهجر، نشكر ونحمد الأنترنت على التعرف على ما يكتب الآن. لقد صار لكتاب (المنفى) الجرأة الكافية لوضع النقاط على الحروف وتوجيه الضوء على الحقيقة الساطعة التي وجدتها في أجمل كتاب قرأته وهو ( أصغي إلى رمادي ) للشاعر حميد العقابي وهو خلط بين السيرة الذاتية والرواية. لقد قلب حميد العقابي موازين القيم الزائفة وطرح كل شيء على حقيقته. وأثبت أن ما يراه أحدنا أخلاقيا قد لا يراه الآخر هكذا. قد يستاء البعض من جرأته ويلعنه، لكنه يحسده في قرارة نفسه. قدم حميد العقابي المرأة التي ينظر لها المجتمع بالدونية هي رمزا للقوة والصدق والنقاء. يتجرأ برفع الستار عن ضعف الرجل المغلّف بجبروت مزيف. وبالطبع الطفولة والشباب والجنس الذي قدمه لنا كغريزة حيوانية، تجربته في الحرب، وفلسفته بالحياة. لا أريد أن أدخل في تفاصيل الكتاب لأن ما كتبته باختصار سيغبن حقه ولكنا لسنا بصدد التفاصيل الآن. أقول فقط: إنه قدم بشاعة القمع والحرب والتشرد والحرمان بشكل جميل عبر لغته الشعرية السلسة. وهذا ما يسمونه في علم الجمال بأستطيقا القبح (علم جمال القبح ).

 

نعم لقد آن الأوان لانتشار ما كتبه العراقيون في الخارج وخاصة في العراق. وبالطبع سيوضع في غربال وسيبقى فيه من يستحق ذلك، لأن ليس كل ما كُتب في الخارج جيدا. نلتقي كل يوم بمئات القصص والمقالات والقصائد، بصراحة لم نعد نقرأ في هذا الزخم الهائل من الشعر بشكل عام القصيدة التي نُؤخذ بها في الفور. ومعذرة لو قلت إن ما ترجمته من الشعر المجري أراه ويراه الآخرون أحيانا أكبر تأثيرا وأفضل من الشعر العراقي. يوجد بالطبع شعر جيد ولكن نسبته ضئيلة الآن، ليس بالضرورة ما يكتبه الشعراء الكبار هو شعر عظيم، فلنفتح أعيننا على شعر أبدعه شعراء شباب موهوبون.

هل كنت تعنين بسؤالك عن الإبداع الذي لا يتوقف عند مسار معين بسبب كتابتي للقصة القصيرة في هذا العمر؟

أنا يا عزيزتي عندما زرت العراق بعد خمسة وعشرين عاما ودخلت بيتنا في حي بابل في الحلة دون طرق على الباب بالرغم من وجود ساكن جديد، استقبلونا أحر استقبال ورأيت الشفقة والمؤاساة على وجوههم الطيبة حينما أجهشت بالبكاء، جلستُ وإخوتي في غرفة الضيوف لأننا كنا هكذا، طلبت منهم السماح لرؤية البيت، وركضت مع أخي الأصغر لنرى غرفنا، وعندما دخلت غرفتي التي كانت مطلة على بستان النخيل ملاعب صباي، رأيت نفسي في السادسة عشر من عمري حينما كنت أكتب بغزارة. تلك الصورة أعادتني الى الكتابة، لكني أريد أن أقول : أنني لست أديبة، كل ما في الأمر أفكر بصوت عال ليقرأه أولاد وبنات إخوتي وأخواتي الذين تركتهم صغارا جدا أو ولدوا في غيابي كي يعرفوا من هي خالتهم أو عمتهم اعتقال التي أحبها الناس.

يتحدث الكتاب الآن عن ظاهرة تحرر الكتاب والكاتبات من القيم البالية في الوطن العربي من خلال طرحهم للجنس ومن بينهم العراقيين أيضا. والسؤال يأتي هنا: ولكن كيف؟ صرنا نرى عند بعضهن أو بعضهم هو طريق للشهرة، يعتبره أحدهم جرأة وتحرر والآخر تحلل، يمكن طرح الجنس ولكن بمبرر في سياق البناء الدرامي للعمل و كنتيجة محصلة، ولكنا عندما نقرأ ما يسمونه قصة هي عبارة عن خاطرة تصف فيها الكاتبة أو الشاعرة جسدها وانتظارها للحبيب الذي استغلها، يذكرنا بالجواري، أتساءل لمن يكتبون؟ هل تكتب المرأة للرجل فقط والعكس أيضا؟ ما رأيته أن هؤلاء الناس يفهمون الحرية بشكل خاطئ لأن الحرية تبدأ من الرأس أولا وليس العكس.. ولا نريد أن نعود إلى زمن الجواري. صرت عندما أقرأ مثل هذه النماذج يتبادر إلى ذهني قصة الوالد الفلسطيني مع أبنائه عندما كانوا يشاهدون فلما أو يقرؤون كتابا كان يسألهم: شو المغزى يابة ؟ أنا أيضا صرت أتساءل ذلك . وهل الظرف الحالي يا ترى يسمح بأن يُنشر هذا في العراق ألا نعتقد بأن التوقيت مهم أيضا؟ ألم يرون الآن الظرف الحالي الذي يهدد النساء والبنات باختطافهن وقتلهن بعد الاعتداء عليهن؟  

يتحدث الجميع عن تحرر المرأة، أراه واضحا في كتاباتهم نساء ورجال، هذه الاسطوانة مازالت تدور منذ زمن بعيد، ينظّر الرجال قولا ولكن عندما يمس التطبيق بيوتهم ترينهم يعودون إلى أصولهم. أما النساء فيبدأن مقالاتهن بأن المرأة لم تخلق للمطبخ، وعليها أن تهتم بأنوثتها، لم أفهم ما العلاقة بين الاثنين وهل يعني الطبخ سيحولها إلى الشيف رمزي؟ في الحقيقة كلما أقرأ وأسمع تصريحاتهن وكأن المطبخ عار في جبين النساء، أشعر بالحياء أمام أمهاتنا الرائعات اللاتي قضين أوقاتهن في المطبخ ليطعمن أروع ما أنجبن من علماء ومبدعين وثوار ناضلوا من أجل وطنهم. كلما أقرأ أو أسمع كلامهن أرى أمي التي كانت تسهر حتى الصباح وهي تلف أوراق العنب لتأخذها إلى ابنها الجميل محسن المعتقَل في سجن الحلة ليأكل مع رفاقه. حان الوقت لأعتذر لكل الأمهات العراقيات والنساء اللاتي دفعتهن ظروف العراق لأن يخترن البيوت ويناضلن لسنوات عجاف من أجل توفير اللقمة في الأيام العصيبة وما زلن يناضلن من أجل البقاء. كان أغلبهن من المتعلمات حاملات الشهادات الجامعية. نحن لسنا أفضل منهن، المطبخ وتحضير اللقمة الشهية لا يفقدان المرأة أنوثتها ولا علمها أو معرفتها، والثقافة هي ليست قراءة الكتب فحسب وإنما سلوك وأمهاتنا الأميات يمتلكن المعرفة أيضا على طريقتهن الخاصة من خلال تجاربهن التي اكتسبنها من منبع عميق اسمه الحياة. والأنوثة ليست جسدا جميلا فقط وإنما التعامل برقة ومنح الحنان والدفء للعائلة. ليس الرجل مستبد لوحده، فالمرأة باستطاعتها أن تكون بمنتهى الخشونة والاستبداد والقسوة.. يتجه الأطفال أحيانا إلى الآباء لأنهم يجدون فيهم الرقة والحنان، لذا فلكل قاعدة شواذ وفي النتيجة كلنا بشر. لا نهاجم الرجال فقط فهم أيضا ضحايا مجتمعات نمّت فيهم ذلك السلوك.

نحن شعوب تعودت القول لا الفعل، وهكذا سنظل مسحورين بلغتنا الفضفاضة الجميلة، هذه اللغة التي نفتقدها أحيانا فترين الكثيرين منا يقع في مطبّاتها، وحينما تنتهي نشعر أنها كانت مجرد لغة، انتهى كل شيء بانتهائها.

 

 *كيف تجدين الثقافة والادب والفن والفكر العراقى بعد التغييرات التى حصلت للمشهد العراقى؟

لو كنت في العراق الآن لأجبتك على سؤالك بشكل أوسع ولكني لا أريد ادعاء المعرفة وكتابة مصطلحات وجمل عامة تتداولها الأفواه، أتتبع أخبار العراق من خلال مصادر الأخبار كالأنترنت والتلفزيون وهذا غير كافٍ بالطبع، أرى صار للناس الحرية في قول آرائهم بصوت مسموع من خلال الشاشة مثلا، وفي نفس الوقت يتعرض من يكتب رأيه بما يرى لينقل الحقيقة الى الناس للضرب والسجن، لكل إنسان الحق في أن يختار طريقه حسب الفكر أو الدين الذي يحمله، هكذا تقول الديمقراطية. وللأنسان الحق في اختيار ملبسه وبالطبع ضمن التقاليد المتعارف عليها، ولكن ألا ّتُجبر وأعني بالذات النساء والبنات هنا على ارتداء الحجاب ومن قال إنه مقياس للشرف؟ لترتديه من تشعر أنها بحاجة إليه وهي حرة، أما أنه يصبح مقياسا للحصول على وظيفة مثلا فهذه كارثة. سأضرب لكِ مثالا على ما رأيته في أحد البرامج التلفزيونية: المذيعة محجبة الرأس ولكنها ارتدت بلوزة ضيقة جدا كنا نرى تفاصيل جسمها بشكل واضح، ألا تعتقدين أنها بذلك تثير مخيلة المشاهد؟ برأي لو كشفت عن شعرها وخففت الماكياج وارتدت ملابس لائقة بمقامها وقدمت البرنامج بمستوى جيد، لكان أفضل بكثير لها من هذا التزييف. استغربت عندما رأيت وسمعت في القناة العراقية ما صرح به أحد ضيوف البرامج بأن الغناء عمل فاحش واستشهد بأغنية مصرية قديمة. أما كانت أمهاتنا تغني لرضيعها أو عندما تقوم بأعمال البيت؟ لا تهمني المقالات السياسية بقدر هذه الأشياء لأنها تشكل خطرا مباشرا على تخريب القيم الفنية والذوق.

تسمّين النحت بالإبداع، وتحطيم التماثيل أليس تحطيما للإبداع؟ ولماذا نفتخر بحضاراتنا القديمة، فلنحطم مسلة حامورابي لأنها ما عبارة إلا عن تمثال. ولكن لا يجب علينا أن نفقد الأمل لأننا بين الحين والآخر نرى عرضا مسرحيا وندوات شعرية وفعاليات في مراكز للأطفال. أتمنى أن أرى أدبا منبعه التجربة الحقيقية والكلمة الصادقة، سنقرأ من خلاله التاريخ وليس من كتب التاريخ التي تُكتب من زوايا نظر مختلفة. إن موقع الكاتب العراقي الذي يحتوي على الأفق المفتوح، إضافة إلى موقع الفنان العراقي ما هو إلا دليل على أن الفارق بدأ يتلاشى شيئا فشيئا بين ما يسمون بكتاب الخارج والداخل فها هم يجتمعون في صفحة واحدة أو على موقع واحد، فالعراقي في الوطن على تماس معنا، بل نفرح ونفضّل نشر الكتابات التي تصلنا من الوطن وخاصة من الكتاب الشباب والفنانين. أود الآن بصفتي أحد المشرفين على الموقع أن أوجه دعوتي للفنانين العراقيين والكتاب في الوطن بأن يساهموا في هذين الموقعين وإغنائهما، خاصة وأنهما متخصصان بالفن والأدب العراقي فقط.

 

 *هل يهتم المثقف المجري أو الاوربى بقراءة الادب العربى وترجمته الى لغته ..وهل تتبنى دور النشر أنتشاروتسويق الوان ادبية وثقافية وفكرية عربية ؟

لا أطلق هذا اللقب "المثقف المجري"، وأفضل أن أسميه القارئ. نحن نخطئ دائما، لأننا باعتقادنا أن القارئ هو ما نسميه بشريحة المثقفين، ربما العكس أحيانا. لم يوجد اهتمام ظاهر للعيان، نستطيع القول كانت اهتمامات فردية وليس على مستوى المؤسسة الثقافية. أنا أرى تقصيرا من الطرفين، كان الوضع أفضل قبل التغيير السياسي الذي ادى الى تدهور الوضع الأقتصادي والثقافي وحتى الاجتماعي. من تعلموا ويدرّسون اللغة العربية أقصد من المجريين لم يكلفوا أنفسهم بتقديم الأدب العربي الحديث، وظلوا يلوكون بالكتب القديمة وبقي القارئ يستند في معلوماته على كتب قديمة جدا، ما ترجم من الأدب الحديث هو قصة غسان كنفاني " رجال في الشمس " وكتاب قديم عن الإيضاح في علم النكاح عند العرب عنوانه " الروض العاطر في نزهة الخاطر" ـ عن هذا الطريق سيتعرف علينا المجريون ـ  هناك كتب قديمة للدكتور حسنين هيكل. كنت قد ساهمت بمبادرات فردية في ترجمة القصة القصيرة العربية، وكما ذكرت تغيرت الظروف ولم يعد مهما لمن تولى العمل بعد التغيير. للأعلام دور مهم لقد ترجموا من الإنجليزية بأسرع وقت ممكن كتابا لصحفية أمريكية عن أميرة سعودية أفشت لها بأسرار البنات السعوديات وعلاقات الرجال السعوديين بهن والظلم الذي يتعرضن له من قبلهم. عنوانه " ما وراء الحجاب" تلاقفته أيدي القراء ليتعرفوا على المجتمع العربي الذي قدمته لهم الكاتبة الأمريكية. وكان حديث الجميع. لو تُرجم الأدب العربي بالشكل المطلوب لأقبل عليه القارئ المجري، ولكن التقصير يقع على العرب أيضا، لم تسع السفارات لعقد اتفاقيات مع دور ترجمة أو وزارة تطرح فيها نيتها في العمل المشترك وخاصة لترجمة الأدب العربي. وهكذا تموت كل الجهود التي يحاول بذلها المترجم.

اعتقال الطائي

بودابست

 

عن موقع سومريون نت

http://www.summereon.net/itikalAltaee.html