الجزء الأول :
{ حياتي كانت في الأرض غياباً وحضوراً تملؤه الوحشة والترحال }
عبد الوهاب البياتي
عائشة . الحب الاعظم
1
تظهر صورة عائشة وكينونتها في مجمل أعمال البياتي على الدوام
بأشكال ومظاهر مختلفة ومتباينة ، فمن المرأة الحبيبة الواقعية ،
الى الاسطورية ، فالكونية ، الى المرأة الماورائية ، ولكنها لا
تظهر منفصلة الواحدة عن الأخرى ، فالمرأة الواقعية التي هي من لحم
ودم . تظهر على وجهها بعض العلامات التي تشير الى انتمائها الى
عالم السحر ومملكة الاسطورة . ولا شك في أن رمز عائشة عند البياتي
وكما جاء على لسانه ، هي { روح العالم الجديد ، والرمز الفردي
والجماعي للحب } . انها امرأة تموت وتولد باستمرار وتضيء طريق
العاشق / الشاعر وتغمره بموتها في الظلام والعزلة والبرد ، ثم تظهر
من جديد في صور وأشكال مختلفة من التجسيد . صفصافة . فراشة .
ناعورة تبكي على الفرات . حمامة . والفراشة { رمز الخلود في الطقوس
الجنائزية الفرعونية } . والحمامة هي حمامة الطوفان ، وأميرة
بابلية ، أو ساحرة أو عرّافة ، ثم انها تنهض دائماً مثل طائر
العنقاء من بين الرماد . انها اوفيليا وشهرزاد في وقت معاً . تجسدت
عدة مرات في صورة عشتار ، إلهة الحب والموت في حضارة وادي الرافدين
:
{ مجنونا كنت انادي باسمك
كل المعبودات وكل زهور الغابات
وكل الربات .
2
عائشة / عشتار تمثل حضوراً دائماً . انها شيء أزلي . هل يمكن أن
تكون عائشة ، فضلاً عن تشخيصها للحب . حاملة ماهية التوالد
الانساني الذي يتكامل بشكل متواصل من موت الى موت ومن نهاية الى
نهاية ؟
يجيب البياتي : { أن أصل عائشة يعود الى شيء واقعي . انها هي
الوحدة . هي الكائن الذي تجتمع فيه الحياة والموت / الموت والبعث .
لقد أصبحت عائشة كل هذه الأمور ، أي أن العناصر الأربعة تنهض فيها
، وبما أن الحياة شيء مؤجل فأن الموت مؤجل ، والبعث مؤجل ، وعائشة
أيضاً مؤجلة وتظل المحبوبة المتظرة } .
{ تخفي وراء قناعها وجه الملاك
وملامح الأنثى
التي نضجت على نار القصائد
أيقظت شهواتها ريح الشمال
فتجوهرت تفاحة / خمراً
رغيفاً ساخناً
في معبد الحب المقدس
أدمنت طيب العناق
ظهرت بأحلامي ، فقلت : فراشة
رفّت بصيف طفولتي
قبل الآوان
وتقمصت كل الوجوه
وسافرت / بدمي تنام
قديسة تنسل في جوف الظلام
لتعانق الصنم المحطم
تنشب الأظفار في الحجر / الحطام
يا قوتة . فمها / تشع طرية /
نار الحقول /
ضفائر معقودة /
عينان تضطرمان من فرط الحنان
وجه وراء قناعه ، يخفي { مدائن صالح }
وحدائق الليمون في أعلى الفرات
أمضيت صيف طفولتي
فيها ، وأدركني الشتاء
وحملت في منفاي بعد رحيلها
ذهب القصائد والرماد .
قصيدة { صورة جانبية لعائشة }
3
عائشة البياتي هذه تظهر في صور كثيرة ، كانت مثل الواحد في الكل ،
والكل في الواحد ، وبعد ذلك صارت تأخذ أبعاداً أخرى . بدأ يجري في
عروقها دم وحياة من الماضي والحاضر والمستقبل . انها المرأة التي
ماتت وسوف تولد مرة أخرى . انها الموت والحياة / المرئي واللامرئي
. ومعلوم أن كلمة عائشة في اللغة العربية تعني انها : المرأة التي
تعيش دائماً . التي تموت ولا تموت / التي تأتي دائماً وتذهب .
عائشة هذه تجربة جاءت من الواقع لكنها أخذت أبعاداً رمزية /
اسطورية / تاريخية . تظهر وتختفي / تعيش وتموت / مرئية وغير مرئية
/ تزوره عندما يريدها / عندما يشتاق اليها / من دون انذار ، وهو
ينتظرها في كل لحظة وفي كل مكان ، ويسافر دائماً من أجلها ، حتى أن
حياته أصبحت ترحالاً دائماً وهو مجنون من أجلها .
4
يعرّف البياتي الديالكتيك الوجودي للحب فيقول : { انه يتميز في
استبقاء المتناقضات ويضع العاشق أمام نفس المشكلة ، بحيث يظهر انه
معرض لخطر الشقاء الأبدي ، والعشق يكون التعرف عليه أيسر عندما
يكون مرئياً . والوضوح العام في الحب هو السحابة المسحورة التي
تظلل رأس العاشق ، فتحل فيه روح الزمن الذي يضرب بجذوره في مملكة
السحر والموت والجنون ، ذلك أن حضور المتناهي فينا يثبت وجود
اللامتناهي ، ونحن لا نقول فكرة اللامتناهي ، اذ لا توجد للامتناهي
فكرة تمثله ، وعند حضور اللامتناهي فينا وفي هذا { البعد } و {
القرب } . يثبت وجود الحب الأعظم الذي يحل في الحياة ، وينتصر على
الموت ، ويحل في الأشياء فيمنحها الحياة ، لأن الكائن المتناهي
-العاشق – دون حضور اللامتناهي ، لا يلبث أن يسقط ميتاً كالورقة
الصفراء أو الثمرة الفجة المتعفنة . أن الكائن المتناهي ,هو في
بحثه عن الله والحب . يصاب بعطب الموت ، وصيرورة الأشياء وكينونتها
، فيعبر قوس الدائرة ، أو قشرة طبقة الجليد التي تغلف حياتنا ،
ليشرف منها على هياكل النور التي خرّ السهروردي المقتول ساجداً
أمامها ، والمحبوبة هي وسيط وقطب ومريد الساحر والشاعر والثوري
للوصول الى الضفاف الروحية التي هي قاع الابداع التاريخي } .
يبدو لي أن هذا المفهوم للحب أشمل وأعمق مما يمكن أن يطرحه الكثير
من الشعراء العرب ، والاختلاف بين البياتي وبين الشعراء الآخرين
كبير جداً ، لأنه لا يكتب قصيدة غزل حسب وظيفة ومفهوم الشعر العربي
القديم . بل يكتب قصيدة حب خالصة ، لا قصيدة اعلانية مجانية تعدد
صفات ومحاسن المرأة من خلال التغزل الفج والاشادة الكاذبة بها كجسد
معروض للمتعة الرخيصة الآنية ، ويقول :
{ أن بعض الشعراء مثلاً يكتبون عن امرأة قد أحبوها وارتبطوا بها
ولها اسم ومكان معين وعبروا عن حبهم هذا ، هؤلاء أسميهم شعراء
البورجوازية الصغيرة ، لأنهم بهذا الشكل يحولون المرأة الى بضاعة
تنتمي الى عصور الاقطاع ، فالمرأة ليست هذا الكائن الأرضي ، بل هي
أكبر من هذا التحديد ، وبصفتي شاعراً فانني لا أكتب عن الجغرافيا
ذات التضاريس بل أكتب عما وراء هذه الجغرافيا وتضاريسها من معان
ورموز ، أي احالة ما هو واقعي الى اسطوري واحالة ما هو اسطوري الى
واقعي ، لأن ذلك من مهمات الشاعر الحقيقية } .
5
يخبرنا البياتي في أحد فصول كتابه الممتع { تجربتي الشعرية } أن
حبه للمرأة امتزج في طفولته وشبابه بحبه للانسانية والوطن والثورة
، حتى أصبح من المتعذر عليه أن يفصل فيما بينهم ، بل لقد كان أي
فصل بمثابة جريمة قتل للآخر ، لذا فقد طال طوافه على أبواب مدينته
وأبواب مدن العالم بحثاً عمن يحب ، ولكن البحث عن الحب الأعظم كلفه
حياته كلها فقد بترت ومزقت أشلاء جسده وروحه ونثرت في كل زمان
ومكان وها هو يحاول اليوم أن يجمع هذه الأشلاء الممزقة لكي يعود
للانصهار والذوبان في روح العالم الكلية ، حتى تتم نبؤة عرّاف
اليمامة ، ولكن ماذا كان ثمن هذا كله ؟
{ فعرّاف اليمامة كان قد صمت منذ أزمنة بعيدة وتحول الى شاعر
وانحدر من عصر الاسطورة الى شطآن التاريخ ليبني نيسابور الجديدة
على الأرض ، وأن رمز الحب الأزلي الواحد الذي ينبعث فيضيء ما
لايتناهى من صور الوجود والذات الواحدة التي تظهر فيما لايتناهى من
التعيينات في كل آنٍ ، وهي باقية على الدوام على ما هي عليه . قد
اتحد كل منها بالآخر وأصبحا في نهاية الأمر العرّاف / الشاعر .
ولكن مجنون عائشة الاسطورية والتاريخية الذي ظل مسافراً وظلت عائشة
تنتظره في كل زمان ومكان ، كان قد مات وعاد الى الظهور ثانية لأن
السفر موت / وولادة / وبعث بدون عائشة ليزور أضرحة الأولياء ويطوف
حولها بحثاً عن النور .
والبياتي مثله مثل الكثيرين من الشعراء والمفكرين يبحث عن الحب في
عالم مليء بالآلام والفجائع والفشل . وعالم الاسطورة هنا عالم غني
ومعبر ، والبياتي يهبط الى أعماقه ليغرف بوعي خلاق وثقافة
كوزموبوليتية ورؤية شعرية عميقة ، من لآلئه ودرره فتمر من بين يديه
لتتحول الى جواهر نادرة وأصيلة * } .
* د وليد غائب صالح { عبد الوهاب البياتي من باب الشيخ الى قرطبة }
بيروت 1995 ص 18