|
بقلم شوكت الربيعي
( معرض السنتين) للخط العربي:
الفكرة والتطبيق والقيمة:
احتضنت الشارقة معرض
السنتين للخط العربي، الذي يقع ضمن طموح يتسم بأهميته
الثقافية ويشير إلى الارتباط بالجذور الحضارية لأمة عريقة
كانت وما فتأت تستنهض بعض جوهريات مفردات الذاكرة العربية
وأبجديتها المتفردة جماليا وتاريخيا، وتسعى دائما إلى
محاولات تجديد وتفعيل تجاربها المعرفية القائمة ورفدها
بالقيم والرؤى المبتكرة والمستولدة عن المعطيات المشرقة في
التاريخ الاسلامي، المتفاعلة مع تحولات وقيم العصر
الراهنة، ومن أكرم فروعها الخطوط العربية، ورسم الحرف
والكلمة والجملة العربية. وتكريما لدور الرائد الكبير
الخطاط محمد هاشم البغدادي في تطوير وإعلاء مكانة الخط
العرب في العالم الاسلامي، فقد سميت هذه الدورة بإسم (هاشم
البغدادي)
إن فكرة ودلالة وقيمة ( معرض السنتين) للخط
العربي جزء من منهج ثقافي واسع، من شأنه المشاركة في إعادة
بناء
موقف جديد، إزاء وعي المتلقي في المستقبل. وهو ما يرتجى
إشاعته بين الناس عامة،
والمشاهدين
المتابعين لحركة الفن والأدب خاصة. ولايمكن الخوض في بحث
تفاصيل المضمون مالم يتم ادراك المناخ والبيئة والأوان
الذي ولدت في احضانه هذه التجارب بحيث يمكن وضع مقدمات
وضعية ضرورية في صياغة دلالية جوهرية مكثفة عن منهج وسياق
البحث، ومنها:
- مقدمة جيوبوليتك- ثقافية:1
لقد شهدت منطقة الخليج العربي احداثا
سياسية وعسكرية حادة منذ بواكير القرن العشرين المنصرم،
مرورا بحروب منطقتنا العربية وبخاصة منها، حروب
الخليج،ابتداء من عام 1980م وحتى الآن. إذ بدأت آثارها
تصل إلى مناطق شاسعة
، بله أحداث العالم الاخرى متزامنة مع
تطبيق استراتيجية الرؤية الأحادية للسيطرة على مفاتيح
السياسة الدولية بادوات تنفيذية جديدة تسعى للهيمنة على
اقتصاديات وثروات شعوب العالم ، فكانت عاملا مؤثرا في واقع
الثقافة عامة، ومحوراً أساسياً في مراجعة المواقف التي
طرأت على وسائل وممارسات وتطبيقات النظرة المستولدة عن
سياسة القطب الواحد، مما أثر بدوره، في مجمل التفاعلات
الخليجية القائمة ومنها الثقافة والفنون، بحيث تركزت
التفاعلات
في منطقة الخليج العربي حول تبعات ونتائج
أحداث 11 سبتمبر/ أيلول عام 2001. .
بله صناعة(العولمة الحديثة) وما أنتجته من
توترات وعدم مساواة في توزيع الثمار والفوائد المتخيلة
التي جاءت بها، مما أدى إلى توسيع الهوة بين أغنياء العالم
وفقرائه.. وكانت القوى الاقتصادية الكبرى مسؤولة عن وجود
تلك الفروق والتشوهات السياسية والاجتماعية في بنية الشعوب
الفقيرة. فالاستعمار كان قد ترك البلدان التي احتلها غارقة
في وحل مشكلات عميقة في الشرق الأوسط تحديدا. ومنها
مستجدات
شبكة التفاعلات العسكرية، والجدل حول
مستقبل الوجود الأمريكي في المنطقة قبل حرب
الخليج الثانية عام 1991 وبعدها "، مما
جعلها تعيش بجغرافيتها السياسية
وأمنها في فلك
ميداني خارج الإقليم الخليجي، "
وأفرزت (الحروب) على منظومة
العلاقات الإقليمية الجديدة، أنماطا من
تفاعلات مختلفة ومتعددة ومتباينة المستوى بين (طموحات
التحول و حدود النوايا)، والتفاعلات
الصراعية والتنافسية
مع البيئة الإقليمية. فالأحداث السياسية في
المنطقة تتجه إلى مستقبل سيقع الكثير من عناصر شكله
ومحتواه ضمن نطاق منطقة مغايرة تماما. وسيتضمن
هذا الوصف تبعات سياسية وعسكرية مستقبلية
مثيرة للجدل،
ستتحدد بما
ستؤول إليه الأوضاع في العراق وفلسطين
وافغانستان وايران، وسيحدث تحول (أميبي) في منطقتنا
العربية. ومنها ما هو ثقافي متعلق بمعنى الهوية وأزمة
الحداثة والتحديث ونمط العلاقة مع ثقافة الاحتلال خاصة
وثقافة الغرب عامة.
تؤكد تلك الأحداث على ضرورة توجه المثقفين
برؤاهم المستقبلية الإيجابية من أجل إحلال واقع أكثر
إنسانية في حياة البشر ومنع المظالم التي تواجههم, دون
مغادرة حدود الممكن والفصل بين ما يتضمنه الواقع ويتخيله
المرء في (المشتهى والمامول)عند التطبيق، لكي يكون ذلك
الموقف مؤثرا وكبيراً، يعزز من حضورحقوق الإنسان في
الحريات السياسية والفردية, وفي اسلوب (دمقرطة) المنطقة.
من هنا يظهر دور المثقفين في نشر وتدعيم الرؤية الإنسانية
العالمية، ومنهم المؤرخون الذين تكمن أهميتهم بقدراتهم على
استنهاض قيم ومباديء إنسانية سامية من أحداث وتجارب
التاريخ واستحضار الشواهد التي تدعم الرؤية المستقبلية و
تؤكد على الرؤية الإنسانية المنفتحة على الحرية. ومنهم
ايضا رجال الإعلام, في توصيل الحقائق. ومنهم الأدباء
بمواقفهم الجوهرية الثابتة, وتقديمها بصورة بارعة وجاذبة..
ومنهم الفنانون ومسؤوليتهم الكبيرة في تنمية القيم الروحية
والجمالية بخطاب يقدم رؤية موضوعية، وضعية متفاعلة مع
أحداث العالم..
ومنهم ( المرأة الخليجية) التي تلعب دورا
معتدلا في مجمل التحولات الاجتماعية والثقافية. على الرغم
من غياب تطابق دائم بين إقرار الحقوق السياسية للمرأة
وأوضاع
الحريات
السياسية والمدنية المتاحة لها،( فالفارق كبير بين إقرار
الحق
وممارسته) .ويرى
البعض أن المشكلة الحقيقية التي تواجه مشاركة المرأة، هي
اجتماعية بالأساس وليست
قيودا
دستورية أو سياسية، إذ
يوجد
(تابوات) اجتماعية منها : موقف الرجل، و عدم الثقة ،
والخوف من العقاب الاجتماعي..
ويرى فريق آخر أن هذا الاستنتاج ليس منصفا في تقييمه
وتعريفه ووصفه.لأن استشراف المستقبل لا تتضح رؤاه بتقديرات
نسبية منتقاة ومجتزأة من هذا القطر أو تلك البلاد. المرأة
في الخليج العربي هي (كيان من عمليات) التحولات الاجتماعية
والمعرفية و السياسية التي تعصف بجغرافية المنطقة ولها فكر
وموقف ومنطلق وأفق يؤثر بالعوامل المجتمعية و الثقافية.
تبحث ضمن حركة التاريخ المجتمعي والانساني، بالحوار
المشترك مع الحضارات الأخرى، عن لغة حياة جديدة من التطور
العلمي بآلياته المتقدمة في اطار من المحبة والسلام.
لهذا فمن الضروري (..أن يصار إلى تخليد ذكراها ، عبر جائزة
تسمى باسم جائزة المرأة للإبداع نظراً لقدرتها المتميزة
على رسم صورة إبداعية للمرأة العربية في القرن الجديد
خاصة.)
2- مستقبل الثقافة في الخليج العربي:
كانت أوضاع التنمية البشرية في الخليج
العربي. وعلى بساطة مؤشرات الإنجازات السريعة فيها، عالية
الكلفة بسبب انتشار السكان على رقعة جغرافية واسعة ذات
تضاريس متنوعة، مما استدعى وقفة مراجعة للمرحلة السابقة
بالخيارات المتاحة والترتيباات والأولويات والتصوراات
الجديدة، لمعالجة المشكلات الراهنة أو المتوقعة مستقبلاً.
وبخاصة بعد إعداد الرؤية المستقبلية للاقتصاد حتى عام
2020- وبعد انجاز الخطط الخمسية المتعاقبة منذ العقد
الخامس في السعودية والسادس في الكويت والبحرين والسابع
في الأقطار الخليجية الاخرى. ولعل حضور عامل شجاعة الفكر
المستقبلي في الاقتصاد والعوامل الاجتماعية والثقافية
والفنية، كان وراء مواجهة الحقائق، وتشخيص أوجه العلل فى
مسيرة التنميةالثقافية. كما إن الاهتمام بالبعد الثقافي
ينبغي ألا يقل أهمية عن الاهتمام بزيادة الموارد المادية
أو صيانة الموارد الطبيعية . فهذا جزء أصيل من عملية بناء
البشر ، والارتقاء بقدراتهم وحسن توظيفها لخير الوطن
والمستقبل . ولاشك أن تطوير المناخ الثقافي ييسر مهمة
تطوير الهياكل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية إلى حد
بعيد . وهنا يبرز دور التربية الأسرية ومؤسسات التعليم
والإعلام والثقافة الحكومية والأهلية على السواء .والمهم
هنا، إحداث تحول حقيقى فى المجتمع من ثقافة الوفرة والرفاه
إلى ثقافة الاقتصاد والندرة ، ومن ثقافة إحلال الجديد محل
القديم إلى ثقافة صيانة وتطوير ما هو إيجابي قائم، ومن
ثقافة الاتكال على الدولة إلى ثقافة الشراكة الفعالة من
جانب الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المدنى . فقد باتت هذه
التحولات حتمية مع انكماش الموارد وتراجع معدلات النمو
والحاجة إلى تنشيطها دون تحميل الأجيال القادمة بأعباء
بيئية أو اقتصادية تهدر حقها فى التمتع بنصيب عادل من ثروة
الأمة .
لقد عقدت مؤتمرات عديدة ناقشت وقدمت توصيات وتطلعات لرؤى
الثقافة، واقترحت الإستراتيجيات التنموية المناسبة فى كل
مجالات تطورها الثقافى اللاحق، من النظرية إلى التطبيق، من
الفكر المجرد إلى الفعل الإبداعي المعرفي العلمي والتربوي
والثقافي والفنى و الأدبى، والاعلامي، إلى الإدارة
والتنظيم الاقتصادى والاجتماعى..
ولايمكن للكاتب المنصف في آفاق المعرفة، أن يتجاهل حقائق
منجزات التنمية والثقافة وشجاعة المواقف المبدئية في
تنفيذها وجعلها قوة بنائية مساندة تتحول بالفعل إلى قاعدة
راسخة قوية، يشيد الخليجيون عليها دعائم مستقبلهم"
المادية". متفاعلين مع المنجزات البشرية(الفيزيائية
والبيولوجية) والتكنولوجية، مستفيدين من ثورة الاتصالات
وماتقدمه من مفاهيم تحرير المعرفة. ويحمل هذا " المفهوم"
الدعوة لحوار إيجابى و إرادى وواع بين الثقافة الاسلامية
(و) العربية ، و بين الثقافات الأخرى. من هنا جاءت الدعوة
الآن إلى مشاركة الفنانين في دعم التنمية والثقافة، لتكون
صفحة وضاءة من طموحات خطط التحولات الجديدة في المجالات
الاقتصادية والسياسية والثقافية والمعرفية والإعلامية،
تدعيماً للتحولات الاجتماعية.ولعل هذا ما تسعى إلى طرحه
فعاليات وأنشطة الشارقة الثقافية.
هل
نحن بحاجة ضرورية إلى دعم صفوة من الفنانين والمفكّرين
الاجتماعيين، لتفعيل ذلك التوجه؟ وهل ينبغي مواجهة «عوالم
جديدة»، وقوّى ـ ماليّة وتقنيّة، جعلت القدرات
التكنولوجيّة الجديدة ـ ميدان الكائن الحيّ والدراسات
الهندسيّة المشتركة والإعلام والآلات الأوتوماتكية
والاتّصال والشبكات والافتراضي والمخيال التقني ـ لتصبح
مستعمرات «من الداخل». في ظل اكتشافات الغزاة الفاتحين
للمناطق الرخوة من عالم الفقراء.في المجتمعات والحضارات
التي ضعف فيها التقليد. وظهرت طبقات اللاّمساواة الجديدة.
، فاندرج كلّ من المبدع الحداثيّ والسياسيّ التقدّمي ورجل
الأعمال المجدّد بتحرير الفرد: المبدع والمغير القادر على
إحداث عهود ذهبيّة قادمة. و أيّام انتصارات مؤجلة، (ستعلن
عن زوال سحر العالم..)
ويرى جورج بلانديي أنه لولا
«الصدمة البترولية». لأعتبرت (حداثة المحظوظين) انطلاقة في
الإنتاج والاستهلاك.. بحكم ما تنشره مفاهيم الهيمنة:
«إنّي أستهلك، إذن أنا موجود». مع عدم دوام المصنوعات،
وتبدل الموضات، والإشهارات السريعة باستمرار. لترتهن
المستويات الاجتماعيّة ونوعيّة حياة الفرد ، بسندات
الاعتماد البنكيّ، وبقبول البطالة والتصالح مع العقل
المستلب العاجز عن تفعيل فكرة العمل وما يوفّره من
إمكانيّات. وبهذه الصيغة والتحليل، (.. تعتبر الحداثة
مفعّلة للرخاء، وتشجع البحث عن أفضل مكان بين الجالسين حول
مائدة الاستهلاك الكبرى..) وبدأ زمن العالم المحدود،
المضيّق بفعل امتداد وتوسّع شبكات الاتّصال والوسائط
بأنواعها والانفتاح على الخارج والأحداث والمجتمعات
الأجنبيّة.. ليتخذ منها غذاء مشبوها: للسلبية المستسلمة
ولسوء التفاهم و(الفصل أو الإقصاء) ولأحلام الفرار (السفر)
وللاختيار الشخصي (الالتحاق أو المشاركة أو المحاكاة..
وتساهم في تغذية وهم التحكّم العقلاني الكبير..) (– حول
هذا الموضوع، أصدر المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون
بتونس ترجمة لكتاب «متحضرون على ما يقال»، الذي نشر
بالفرنسية عام 2003، أنجزها الباحث عبد الرزاق الحليوي.)
إن مثل هذه التحولات الثقافية سوف تساعد
على الوعى المعرفى بحقائق العالم
وفى توفير ما تحتاجه دول الخليج العربي فى
مواجهة ما يعترض تقدمها من تحديات ، ألا وهو توسيع
الخيارات والفرص المتاحة لأهلها . وهذا هو لب مفهوم
التنمية الانسانية.
3 - حوارالفنون الإنسانية
ان التجربة الفنية التي تسهم
في مفاصلها العين واليد والمخ والخبرة البشرية، هي (معمار)
ضخم ونسيج مركب من محاولات بصرية ومعالجات تقنية وممارسات
حرفية ومكونات فكرية. كما هي تزاوج عناصر كيميائية
وفيزيائية ونوع من عمليات طبيعية، وجزء من علاقات نفسية
وتربوية وتاريخية ومجتمعية، ونسيج من سوسيولوجية امة
بأكملها. كما هي مسطح من مساحات واسعة في مقدرة الخيال،
بحيث تشاد أركان انشائها، خطوة فاخرى، وليست هي (اشياء
جاهزة). هذا هو التفسير الروحي والمادي لمعنى وقيمة وغاية
ورؤية التجربة الفنية وعلاقاتها الشائكة المتداخلة
المتواشجة بحقائق العالم.
أهميةالخطوة الأولى: كان يسيرا على
المتابع للفنون التشكيلية وبضمنها ( الخط والزخرفة العربية
والاسلامية) في أوائل العقد السادس من القرن العشرين
المنصرم في الكويت والبحرين وقطر والسعودية، ان يتحدث عن
بداية تدريس التربية النظرية والتطبيقية المبسطة للفنون
التعليمية والخط العربي والزخرفة في الخليج العربي عامة. و
التحدث عن ذلك أيضا في النصف الثاني من الستينيات في
اليمن الامارات وسلطنة عمان، بلغة التعميم، باعتبار ذلك
منهجا في السياق التعليمي، سرعان ما تبلورت عنه قيمة
تربوية لاحقة تخطت مرحلة الإقتصار على المناهج المقررة في
المدارس والجامعات، لتتحقق فكرة المراسم الحرة فيها،
متأثرة بما كان متبعا في مطلع القرن الماضي ابتداء من
(عشرينياته) في مصر وتونس والجزائر والمغرب
وفي(ثلاثينياته) في العراق ولبنان وسوريا. وكان الجميع
يسعى إلى ترسيخ مباديء وقيم تربوية جمالية استلهمها الرواد
في معاهد واكاديميات أجنبية تشكلت نواتها في (الأربعينيات)
مع طاقات ومواهب محلية شابة كان قد بدأت تنهض، واتجه
روادها إلى تنمية قدراتهم الشخصية والمؤسساتية ومتابعة ما
يجري حولهم من تحولات في مدارس واتجاهات وأساليب الفنون
الجديدة وتقنيات الفنون المعاصرة في فترة لاحقة دائبة على
التغيير والتطور، بعد الحرب العالمية الثانية لاستنهاض همم
وامكانات وقدرات كامنة ليس في طاقات الشباب الحيوية فحسب،
بل في منطلقات المكتشفين منهم للأعماق الداخلية وللآفاق
الانسانية ايضا، ولكن السبب الذي جعل الخليجيين يتسارعون
في نمو مواهبهم تلك،هو سعيهم لتنمية وترقية رؤى الموهوبين
المبرزين التي نمت بين أوساطهم الاجتماعية، كما حدث لرواد
المحاولات الأولى في التجربة المشتركة وما كان انضمام
البعض من الرعيل الاول إلى تلك التجارب الفنية،إلا لكي
يكتسبوا خبرة فأخرى بممارسة الفن كما ينبغي اصوليا وتربويا
واكاديميا مبسطا، بالتدريب اليومي والجهد المتواصل والبحث
والدراسة والمتابعة والتجريبية المفصلة، مما هيأوا ابعادا
أثارت الانتباه والاهتمام، وغدت جزءا من الحياة الفنية
البسيطة آنذاك، فأدرك الفنان الخليجي الشاب، الذي كان
هاويا للرسم او الخط العربي والزخرفة الاسلامية، أهمية
دراسة الفن نظريا وعمليا، وبدا جليا يومئذ، ان تربية
الانسان الموهوب، وتوجيهه وتنمية قدراته، كانت أهم ما في
تلك الخطوة الريادية الأولى، وانه لايقل أهمية وحيوية، عن
اي نظير له في أية محاولة مشابهة قد وسمت بميسمها صفحة
تأسيسية مشرقة في نشأة الفنون التطبيقية في دول الخليج
العربي كافة. إذ غدا يعنى بتنمية المواهب والقدرات وصقل
الامكانات وتحفيز الطاقات الشابة على الظهور والنمو في
بيئة تعليمية وتربوية صحية وذات رؤية مستقبلية في مختلف
المجالات الفنية ، (وجدانا ومهارة ومعرفة)، ليكون منهجا
لإنضاج القدرات وتفعيل الطاقات من خلال وضع وتنفيذ برامج
مكثفة تعنى بإقامة الورش الفنية والدورات التدريبية وعقد
الندوات التثقيفية وتوفير المتاحف والمجمعات الثقافية
وقاعات المعارض والمحاضرات والندوات لإقامة الانشطة
والفعاليات وتوفير الكوادرالتعليمية الاساسية والتكميلية
وتهيئة المدربين المتخصصين في مجالات الفنون نظريا
وتطبيقيا. وكان من بين (هواة )الدورات الأولى المنضوين تحت
لواء التجربة الريادية، من تميز في فنه، ومنهم من عد من
رواد الحركة التشكيلية، وبعضهم من تفرد في تجربة الخط
العربي والزخرفة الاسلامية، ونفر منهم من تبوأ مناصب
قيادية في إدارة الحركة الفنية في مؤسسات أخرى . وواصلت
فئة متقدمة من الشباب مسيرتها ومشاركاتها في معارض محلية
وعربية ودولية. وهكذا بدأت شجرة الفن تعطي أكلها وتفيض
بعطائها وانجازاتها لرفعة وتنمية الذوق الفني السليم
واعداد جيل من الشباب الموهوبين الذين يسمون بتجاربهم
ويرقون بإنتاجهم الفني، فظهرت اسماء من صفوة الخطاطين
والمصورين الفوتوجرافيين أيضا.. وسواهم كثير في اختصاصات
أخرى. كما اثبت ( الفنان) الخليجي مرة ثانية، أنه جدير
بتنمية موهبته وصقلها وتطويرها، حتى الآن.
وكانت نشاطاتهم
وفعالياتهم، تشير إلى قيمة دورهم التأسيسي ، مما عكس حسا
وعمقا مؤثرين في اولويات التربية الجمالية وفي رعاية مختلف
المواهب وصقلها وتهذيبها وتأهيلها و والاستفادة من التجارب
والاتجاهات والمدارس الفنية العربية والاسلامية والعالمية
بتركيز مبدئي على خصوصية المنطلقات والرؤى الخليجية وتوظيف
الدلالات والرموز التراثية والبيئية والمعمارية الاصيلة،
لإيمان الجميع بأهمية التفاعل والإغناء والاغتناء مع تجارب
الآخرين ليكونوا في مصاف الحركات التشكيلية العربية،
فظهر جيل
جديد حقق لنفسه مكانة في مضمار لايسهل الظهور والتباري
فيه، وسط تجارب راسخة في الفن العربي الذي ينطلق في
اتجاهات جديدة في عالم فني متغير بتقنيته، المتتنوعة
المتعددة المستنهضة من شتى التوليدات الشكلية. وقد حقق
الخليجيون خلال ربع قرن من المسيرة المثمرة، ما لم
تحققه مؤسسات وأكاديميات ومعاهد عربية أخرى متخصصة في
الفنون التشكيلية بمثل تلك الإمكانات البسيطة التي لاتقاس
أبدا مع الكيانات المشابهة، ولكنهم حققوا لوجودهم قيمة
جوهرية بين تجارب الفنانين العرب وحضورا فاعلا بين
تيارات وحركات واتجاهات ومدارس فنية راسخة في تاريخ الفن
المعاصر في العالم. فأصبح بالامكان الآن الحديث عن فن
تشكيلي في منطقة الخليج العربي. وكان قبل ذلك، أمرا مقتصرا
على أسماء معدودة من الهواة التقليديين والتلقائيين ودعاة
الأعمال اليدوية والتطبيقية المدرسية على فطرتها. وبفضل ما
تم انجازه، أصبحت للفنون التشكيلية مكانة متميزة بين حركات
فنية عربية ودولية، وأصبح الصحافة الفنية تتحدث عن واقع
الفنون المعاصرة في الوطن العربي وهو يشير إلى هذا الواقع
الجديد ينمو سريعا ، وغدونا نتحدث عن خصوصية الفنان الواحد
وملامح تجربته وخصوصيتها، وبتنا نحاول البحث عن القيمة
الابداعية في تجارب المتميزين والعناصر المشتركة في تجارب
فناني الخليج العربي ونحاول إلقاء الضوء على الملامح
المشتركة في المصادر والمنابع التي تبلورت بحضورها، سمات
التجربة الفنية الواحدة والجماعية، محاولين الربط بين
التراث والمعاصرة ، واستخلاص الرؤية الواضحة باتجاه
الخصوصية الوطنية لكي يكون الحضور الحقيقي، قائما لكل عمل
متميز.. فكانت النتيجة في اطارها العام ، ثرية المنطلقات
أسهمت بايجاد تجربة قدمها جيل كان لديه الموهبة اللازمة
الشفافة التي أثرت محاولات الشباب بالبحث والدراسة
والتدريب المتواصل باتجاه تحقيق الاهداف الثقافية والفنية.
بتلك الروح الوهاجة لاقى الفنانون والخطاطون دعما معنويا
كبيرا وترويجا لتجاربهم في انحاء العالم، ونال المتميزون
منهم عدة جوائز تقديرية،عربية ودولية، مادية ومعنوية.
بينما اتسعت دائرة الأهتمام بالتحولات التقنية لدى
زملائهم في النحت والخزف والحفر والجداريات والخط
والزخرفة العربية والاسلامية والنقد الفني التشكيلي، و حمل
بعض الفنانين على تكوين جماعات فنية لمتابعة تطوير
منطلقاتهم ورؤاهم البارعة في شتى اتجاهات ومدارس الفنون
الحديثة.
،
فيما ازدادت وتنوعت المؤتمرات والمعارض الدورية العربية
والدولية والندوات واللقاءات والمحاضرات المتعلقة بالثقافة
الفنية، وامتلأ الجو الفني بالنقاش والجدل حول غاية
الفنان، بين الرسامين والنحاتين والخطاطين انفسهم، وكذلك
بين المثقفين الشباب، وطلاب الثانويات والكليات، وافسحت
أجهزة الاعلام المرئية والمسموعة والجرائد صفحاتها للنقد
والرد والدراسة.. حتى تبلورت مفاهيم جديدة في الفن
المعاصر، وكان معظمها في الواقع يتوخى اساليب ما بعد
الواقعية والطبيعية والانطباعية والتكعيبية والشكلية
ومحاولات (الميديا) مما ساعد على ابقاء الحركة الفنية في
تصاعد مستمر وحضور مؤثر في وجدان النخبة من الناس، في حين
ظهرموقف نقدي مختلف لدى فئة أخرى من المتابعين يدعو
الفنانين إلى الشعور بالمسؤولية الاجتماعية تجاه الفنون
الحقيقية الملتزمة بقضايا المجتمع وبسطوع الرؤية الواضحة
للعالم..
وأمامنا
اليوم حقيقة مبهرة في سطوعها تفرض حضورها و قيمتها
وغرضها وأثرها، وتتعلق بتفهم مكونات وعلل ومسار الحركة
الفنية التشكيلية في التجاربالخليجية عامة، وبسيكولوجية
الفنان الذي يمارس هذا النوع من الفعالية المبدعة ضمن
الاتجاهات الفنية، واقعية كانت ام تجريدية، صوفية أم
تعبيرية، تلك الحقيقة التي تؤكد بأن ثمة روحا من التراث
لصيقة بالفنان. وكثيرا ما كانت تتجسد موهبته الفردية
بصورة جلية.. ومع ذلك فان كل فنان متميز، سيكون له نصيب
قيم في البحث الفني وتمحيص الافكارالمستلهمة للتاريخ
والتراث المشرق وبروح الواقع المعاصر بكل اِشكال
التعبيرالفنية الحديثة، وبضوء فكرة (( عالمية وانسانية
)) الفن. وهذا سبب واحد من أسباب كثيرة وراء استلهام
الفنانين لبدائع التصوير العربي، والمنمنمات و المخطوطات
القديمة، والوحدات :(لموتيفات) الشعبية في الصناعات
اليدوية والافرشة والمحارم والبسط الريفية والمفردات؛
(الثيمات) المحلية الشائعة، وماحققوه اسلوبا كان وليد ذلك
التزاوج بين ثراء التراث وأشكال المعاصرة، لكي تتصل
تجاربهم بمفاصل المجتمع العربي والانساني معا، ولايمكن
تجوهر هوية الفنان الا بتجذير الذات الحضارية في تراثهم،
لكي يضفي على فنونهم، صفة التميز الفاعل في الامة،
وكان الغرض المبدئي من ذلك يشير إلى ربط
النتاج التشكيلي المحلي بالحركة التشكيلية العالمية، وبكسر
طوق العزلة على الفنان المحلي الذي باتت تطرح أمامه اليوم
فرص التعارف وربط الصلات الإبداعية والفنية مع هذا الخليط
“المعولم” من التجارب المستجدة في الفن الحديث اليوم..
ومسؤولية الجميع هنا كبيرة في تنمية القيم
الروحية بخطاب يقدم رؤية حضارية تبحث بقيم الفن الإنساني
المشترك مع الحضارات الأخرى،
حيث تأخذ الفنون ذاتها
فرصة الاتصال المباشر بإنجازات المعرفة الإنسانية، وبما
حققته وتحققه من تطورات تشكيلية، وجمالية،وثقافية ومعرفية
واجتماعية والارتقاء بها نحو ابتكار رؤية خلاقة وأفق رحيب
ومنطلق قادر على التمايز والتحاور مع الآخرالمتطور بآليات
اقتصادية وثقافية وفنية فعالة.
ليصبح حوارا ولغة حياة جديدة من المحبة والسلام.
4 -
مقدمة في قراءة التمهيد:
أ - يعنى
فن الخط العربي بأهمية
وجمالية فيوض الوجدان السامية وبالفكر
العربي الإسلامي عنايته بتقدير القيم الروحية المصاحبة
لمشاهدة وتامل الاعمال والتجارب البارعة، ليكشف عن جانب
مهم من نتاج تعبيري نبيل ضمن الفنون ا |