مدار النقد

ادب وثقافة

بالتزامن مع موقعي الكاتب العراقي و الفنان العراقي

بقلم شوكت الربيعي

( معرض السنتين) للخط العربي: الفكرة والتطبيق والقيمة: احتضنت الشارقة معرض السنتين للخط العربي، الذي يقع ضمن طموح يتسم بأهميته الثقافية ويشير إلى الارتباط بالجذور الحضارية لأمة عريقة كانت وما فتأت تستنهض بعض جوهريات مفردات الذاكرة العربية وأبجديتها المتفردة جماليا وتاريخيا، وتسعى دائما إلى محاولات  تجديد وتفعيل تجاربها المعرفية القائمة ورفدها بالقيم والرؤى المبتكرة والمستولدة عن المعطيات المشرقة في التاريخ الاسلامي، المتفاعلة مع تحولات وقيم العصر الراهنة، ومن أكرم فروعها الخطوط العربية، ورسم الحرف والكلمة والجملة العربية. وتكريما لدور الرائد الكبير الخطاط محمد هاشم البغدادي في تطوير وإعلاء مكانة الخط العرب في العالم الاسلامي، فقد سميت هذه الدورة بإسم (هاشم البغدادي)

إن فكرة ودلالة وقيمة ( معرض السنتين) للخط العربي جزء من منهج ثقافي واسع، من شأنه المشاركة في إعادة بناء موقف جديد، إزاء وعي المتلقي في المستقبل. وهو ما يرتجى إشاعته بين الناس عامة،  والمشاهدين المتابعين لحركة الفن والأدب خاصة. ولايمكن الخوض في بحث تفاصيل المضمون مالم يتم ادراك المناخ والبيئة والأوان الذي ولدت في احضانه هذه التجارب بحيث يمكن وضع مقدمات وضعية ضرورية في صياغة دلالية جوهرية مكثفة عن منهج وسياق البحث، ومنها:

- مقدمة جيوبوليتك- ثقافية:1

لقد شهدت منطقة الخليج العربي احداثا سياسية وعسكرية حادة منذ بواكير القرن العشرين  المنصرم، مرورا بحروب منطقتنا العربية وبخاصة منها، حروب الخليج،ابتداء من عام 1980م وحتى الآن.  إذ بدأت آثارها تصل إلى مناطق شاسعة ، بله أحداث العالم الاخرى متزامنة مع تطبيق استراتيجية الرؤية الأحادية للسيطرة على مفاتيح السياسة الدولية بادوات تنفيذية جديدة تسعى للهيمنة على اقتصاديات وثروات شعوب العالم ، فكانت عاملا مؤثرا في واقع الثقافة عامة، ومحوراً أساسياً في مراجعة المواقف التي طرأت على وسائل وممارسات وتطبيقات النظرة المستولدة عن سياسة القطب الواحد، مما أثر بدوره، في مجمل التفاعلات الخليجية القائمة ومنها الثقافة والفنون، بحيث تركزت التفاعلات في منطقة الخليج العربي حول تبعات ونتائج أحداث 11 سبتمبر/ أيلول عام 2001. . بله صناعة(العولمة الحديثة) وما أنتجته من توترات وعدم مساواة في توزيع الثمار والفوائد المتخيلة التي جاءت بها، مما أدى إلى توسيع الهوة بين أغنياء العالم وفقرائه.. وكانت القوى الاقتصادية الكبرى مسؤولة عن وجود تلك الفروق والتشوهات السياسية والاجتماعية في بنية الشعوب الفقيرة. فالاستعمار كان قد ترك البلدان التي احتلها غارقة في وحل مشكلات عميقة في الشرق الأوسط تحديدا. ومنها مستجدات شبكة التفاعلات العسكرية، والجدل حول مستقبل الوجود الأمريكي في المنطقة قبل حرب الخليج الثانية عام 1991 وبعدها "، مما جعلها تعيش بجغرافيتها السياسية وأمنها في فلك ميداني خارج الإقليم الخليجي، " وأفرزت (الحروب) على منظومة العلاقات الإقليمية الجديدة، أنماطا من تفاعلات مختلفة ومتعددة ومتباينة المستوى بين (طموحات التحول و حدود النوايا)، والتفاعلات الصراعية والتنافسية مع البيئة الإقليمية. فالأحداث السياسية في المنطقة تتجه إلى مستقبل سيقع الكثير من عناصر شكله ومحتواه ضمن نطاق منطقة مغايرة تماما. وسيتضمن هذا الوصف تبعات سياسية وعسكرية مستقبلية مثيرة للجدل، ستتحدد بما ستؤول إليه الأوضاع في العراق وفلسطين وافغانستان وايران، وسيحدث تحول (أميبي) في منطقتنا العربية. ومنها ما هو ثقافي متعلق بمعنى الهوية وأزمة الحداثة والتحديث ونمط العلاقة مع ثقافة الاحتلال خاصة وثقافة الغرب عامة.

تؤكد تلك الأحداث على ضرورة توجه المثقفين برؤاهم المستقبلية الإيجابية من أجل إحلال واقع أكثر إنسانية في حياة البشر ومنع المظالم التي تواجههم, دون  مغادرة حدود الممكن والفصل بين ما يتضمنه الواقع ويتخيله المرء في (المشتهى والمامول)عند التطبيق، لكي يكون ذلك الموقف مؤثرا وكبيراً، يعزز من حضورحقوق الإنسان في الحريات السياسية والفردية, وفي اسلوب (دمقرطة) المنطقة. من هنا يظهر دور المثقفين في نشر وتدعيم الرؤية الإنسانية العالمية، ومنهم المؤرخون الذين تكمن أهميتهم بقدراتهم على استنهاض قيم ومباديء إنسانية سامية من أحداث وتجارب التاريخ واستحضار الشواهد التي تدعم الرؤية المستقبلية و تؤكد على الرؤية الإنسانية المنفتحة على الحرية. ومنهم ايضا  رجال الإعلام, في توصيل الحقائق. ومنهم الأدباء بمواقفهم الجوهرية الثابتة, وتقديمها بصورة بارعة وجاذبة.. ومنهم الفنانون ومسؤوليتهم الكبيرة في تنمية القيم الروحية والجمالية بخطاب يقدم رؤية موضوعية، وضعية متفاعلة مع أحداث العالم.. ومنهم ( المرأة الخليجية) التي تلعب  دورا معتدلا في مجمل التحولات الاجتماعية والثقافية. على الرغم من غياب تطابق دائم بين إقرار الحقوق السياسية للمرأة وأوضاع الحريات السياسية والمدنية المتاحة لها،( فالفارق كبير بين إقرار الحق وممارسته) .ويرى البعض أن المشكلة الحقيقية التي تواجه مشاركة المرأة، هي اجتماعية بالأساس وليست قيودا دستورية أو سياسية، إذ يوجد (تابوات) اجتماعية منها : موقف الرجل، و عدم الثقة ، والخوف من العقاب الاجتماعي.. ويرى فريق آخر أن هذا الاستنتاج ليس منصفا في تقييمه وتعريفه ووصفه.لأن استشراف المستقبل لا تتضح رؤاه بتقديرات نسبية منتقاة ومجتزأة من هذا القطر أو تلك البلاد. المرأة في الخليج العربي هي (كيان من عمليات) التحولات الاجتماعية والمعرفية و السياسية التي تعصف بجغرافية المنطقة ولها فكر وموقف ومنطلق وأفق يؤثر بالعوامل المجتمعية و الثقافية. تبحث ضمن حركة التاريخ المجتمعي والانساني، بالحوار  المشترك مع الحضارات الأخرى، عن لغة حياة جديدة من التطور العلمي بآلياته المتقدمة في اطار من المحبة والسلام. لهذا فمن الضروري (..أن يصار إلى تخليد ذكراها ، عبر جائزة تسمى باسم جائزة المرأة للإبداع نظراً لقدرتها المتميزة على رسم صورة إبداعية للمرأة العربية في القرن الجديد خاصة.)

 

2- مستقبل الثقافة في الخليج العربي: كانت أوضاع التنمية البشرية في الخليج العربي. وعلى بساطة مؤشرات الإنجازات السريعة فيها، عالية الكلفة بسبب  انتشار السكان على رقعة جغرافية واسعة ذات تضاريس متنوعة،  مما استدعى وقفة مراجعة للمرحلة السابقة بالخيارات المتاحة والترتيباات والأولويات والتصوراات الجديدة، لمعالجة المشكلات الراهنة أو المتوقعة مستقبلاً. وبخاصة بعد إعداد الرؤية المستقبلية للاقتصاد حتى عام 2020- وبعد انجاز الخطط الخمسية المتعاقبة منذ العقد الخامس في السعودية والسادس في الكويت  والبحرين والسابع في الأقطار الخليجية الاخرى. ولعل حضور عامل شجاعة الفكر المستقبلي في الاقتصاد والعوامل الاجتماعية والثقافية والفنية، كان وراء مواجهة الحقائق، وتشخيص أوجه العلل فى مسيرة التنميةالثقافية. كما إن الاهتمام بالبعد الثقافي ينبغي ألا يقل أهمية عن الاهتمام بزيادة الموارد المادية أو صيانة الموارد الطبيعية . فهذا جزء أصيل من عملية بناء البشر ، والارتقاء بقدراتهم وحسن توظيفها لخير الوطن والمستقبل . ولاشك أن تطوير المناخ الثقافي ييسر مهمة تطوير الهياكل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية إلى حد بعيد . وهنا يبرز دور التربية الأسرية ومؤسسات التعليم والإعلام والثقافة الحكومية والأهلية على السواء .والمهم هنا، إحداث تحول حقيقى فى المجتمع من ثقافة الوفرة والرفاه إلى ثقافة الاقتصاد والندرة ، ومن ثقافة إحلال الجديد محل القديم إلى ثقافة صيانة وتطوير ما هو إيجابي قائم، ومن ثقافة الاتكال على الدولة إلى ثقافة الشراكة الفعالة من جانب الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المدنى . فقد باتت هذه التحولات حتمية مع انكماش الموارد وتراجع معدلات النمو والحاجة إلى تنشيطها دون تحميل الأجيال القادمة بأعباء بيئية أو اقتصادية تهدر حقها فى التمتع بنصيب عادل من ثروة الأمة .

لقد عقدت مؤتمرات عديدة ناقشت وقدمت توصيات وتطلعات لرؤى الثقافة، واقترحت الإستراتيجيات التنموية المناسبة فى كل مجالات تطورها الثقافى اللاحق، من النظرية إلى التطبيق، من الفكر المجرد إلى الفعل الإبداعي المعرفي العلمي والتربوي والثقافي والفنى و الأدبى، والاعلامي، إلى الإدارة والتنظيم الاقتصادى والاجتماعى..

ولايمكن للكاتب المنصف في آفاق المعرفة، أن يتجاهل حقائق منجزات التنمية والثقافة وشجاعة المواقف المبدئية في تنفيذها وجعلها قوة بنائية مساندة تتحول بالفعل إلى قاعدة راسخة قوية، يشيد الخليجيون عليها دعائم مستقبلهم" المادية". متفاعلين مع المنجزات البشرية(الفيزيائية والبيولوجية) والتكنولوجية، مستفيدين من ثورة الاتصالات وماتقدمه من مفاهيم تحرير المعرفة. ويحمل هذا " المفهوم" الدعوة لحوار إيجابى و إرادى وواع بين الثقافة الاسلامية (و) العربية ، و بين الثقافات الأخرى. من هنا جاءت الدعوة الآن إلى مشاركة الفنانين في دعم التنمية والثقافة، لتكون صفحة وضاءة من طموحات خطط التحولات الجديدة في المجالات الاقتصادية والسياسية والثقافية والمعرفية والإعلامية، تدعيماً للتحولات الاجتماعية.ولعل هذا ما تسعى إلى طرحه فعاليات وأنشطة الشارقة الثقافية.

هل نحن بحاجة ضرورية إلى دعم صفوة من الفنانين والمفكّرين الاجتماعيين، لتفعيل ذلك التوجه؟  وهل ينبغي مواجهة «عوالم جديدة»، وقوّى ـ ماليّة وتقنيّة، جعلت القدرات التكنولوجيّة الجديدة ـ ميدان الكائن الحيّ والدراسات الهندسيّة المشتركة والإعلام والآلات الأوتوماتكية والاتّصال والشبكات والافتراضي والمخيال التقني ـ لتصبح مستعمرات «من الداخل». في ظل اكتشافات الغزاة الفاتحين للمناطق الرخوة من عالم الفقراء.في المجتمعات والحضارات التي ضعف فيها التقليد. وظهرت طبقات اللاّمساواة الجديدة. ، فاندرج كلّ من المبدع الحداثيّ والسياسيّ التقدّمي ورجل الأعمال المجدّد بتحرير الفرد: المبدع والمغير القادر على إحداث عهود ذهبيّة قادمة. و أيّام انتصارات مؤجلة، (ستعلن عن زوال سحر العالم..)

ويرى جورج بلانديي أنه لولا  «الصدمة البترولية». لأعتبرت (حداثة المحظوظين) انطلاقة في الإنتاج والاستهلاك..  بحكم ما تنشره مفاهيم الهيمنة: «إنّي أستهلك، إذن أنا موجود». مع عدم دوام المصنوعات، وتبدل الموضات، والإشهارات السريعة باستمرار. لترتهن المستويات الاجتماعيّة ونوعيّة حياة الفرد ، بسندات الاعتماد البنكيّ، وبقبول البطالة  والتصالح مع العقل المستلب العاجز عن تفعيل فكرة  العمل وما يوفّره من إمكانيّات. وبهذه الصيغة والتحليل، (.. تعتبر الحداثة مفعّلة للرخاء، وتشجع البحث عن أفضل مكان بين الجالسين حول مائدة الاستهلاك الكبرى..) وبدأ زمن العالم المحدود، المضيّق بفعل امتداد وتوسّع شبكات الاتّصال والوسائط بأنواعها والانفتاح على الخارج والأحداث والمجتمعات الأجنبيّة.. ليتخذ منها غذاء مشبوها: للسلبية المستسلمة ولسوء التفاهم و(الفصل أو الإقصاء) ولأحلام الفرار (السفر) وللاختيار الشخصي (الالتحاق أو المشاركة أو المحاكاة.. وتساهم في تغذية وهم التحكّم العقلاني الكبير..)   (– حول هذا الموضوع، أصدر المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون بتونس ترجمة لكتاب «متحضرون على ما يقال»، الذي نشر بالفرنسية عام 2003، أنجزها الباحث عبد الرزاق الحليوي.)

إن مثل هذه التحولات الثقافية سوف تساعد على الوعى المعرفى بحقائق العالم وفى توفير ما تحتاجه دول الخليج العربي فى مواجهة ما يعترض تقدمها من تحديات ، ألا وهو توسيع الخيارات والفرص المتاحة لأهلها . وهذا هو لب مفهوم التنمية الانسانية.

 

3 - حوارالفنون الإنسانية

ان التجربة الفنية التي تسهم في مفاصلها العين واليد والمخ والخبرة البشرية، هي (معمار) ضخم ونسيج مركب من محاولات بصرية ومعالجات تقنية وممارسات حرفية  ومكونات فكرية. كما هي تزاوج عناصر كيميائية وفيزيائية ونوع من عمليات طبيعية، وجزء من علاقات نفسية وتربوية وتاريخية ومجتمعية، ونسيج من سوسيولوجية امة بأكملها. كما هي مسطح من مساحات واسعة في مقدرة الخيال، بحيث تشاد أركان انشائها، خطوة فاخرى، وليست هي (اشياء جاهزة). هذا هو التفسير الروحي والمادي لمعنى وقيمة وغاية ورؤية التجربة الفنية وعلاقاتها الشائكة المتداخلة المتواشجة بحقائق العالم.

 

أهميةالخطوة الأولى:  كان يسيرا على المتابع للفنون التشكيلية وبضمنها ( الخط والزخرفة العربية والاسلامية) في أوائل العقد السادس من القرن العشرين المنصرم في الكويت والبحرين وقطر والسعودية، ان يتحدث عن بداية تدريس التربية النظرية والتطبيقية المبسطة للفنون التعليمية والخط العربي والزخرفة في الخليج العربي عامة. و التحدث عن ذلك أيضا في النصف الثاني من  الستينيات في اليمن الامارات وسلطنة عمان، بلغة التعميم، باعتبار ذلك منهجا في السياق التعليمي، سرعان ما تبلورت عنه قيمة تربوية لاحقة تخطت مرحلة الإقتصار على المناهج المقررة في  المدارس والجامعات، لتتحقق فكرة المراسم الحرة فيها، متأثرة  بما كان متبعا في مطلع القرن الماضي ابتداء من (عشرينياته) في مصر وتونس والجزائر والمغرب  وفي(ثلاثينياته) في العراق ولبنان وسوريا. وكان الجميع يسعى إلى ترسيخ مباديء وقيم تربوية جمالية استلهمها الرواد في معاهد واكاديميات أجنبية تشكلت نواتها في (الأربعينيات) مع طاقات ومواهب محلية شابة كان قد بدأت تنهض، واتجه روادها إلى تنمية قدراتهم الشخصية والمؤسساتية ومتابعة ما يجري حولهم من  تحولات في مدارس واتجاهات وأساليب الفنون الجديدة وتقنيات الفنون المعاصرة في فترة لاحقة دائبة على التغيير والتطور، بعد الحرب العالمية الثانية لاستنهاض همم وامكانات وقدرات كامنة ليس في طاقات الشباب الحيوية فحسب، بل في منطلقات  المكتشفين منهم للأعماق الداخلية وللآفاق الانسانية ايضا، ولكن  السبب الذي جعل الخليجيين  يتسارعون في نمو مواهبهم تلك،هو  سعيهم لتنمية وترقية رؤى الموهوبين المبرزين التي نمت بين أوساطهم الاجتماعية، كما حدث لرواد المحاولات الأولى  في التجربة المشتركة وما كان انضمام البعض من الرعيل الاول إلى  تلك التجارب الفنية،إلا لكي يكتسبوا خبرة فأخرى بممارسة الفن كما ينبغي اصوليا وتربويا واكاديميا مبسطا، بالتدريب اليومي والجهد المتواصل والبحث والدراسة والمتابعة والتجريبية المفصلة، مما هيأوا ابعادا أثارت الانتباه والاهتمام، وغدت جزءا من الحياة الفنية البسيطة آنذاك،  فأدرك الفنان الخليجي الشاب، الذي كان هاويا للرسم او الخط العربي والزخرفة الاسلامية، أهمية دراسة الفن نظريا وعمليا، وبدا جليا يومئذ، ان تربية الانسان الموهوب، وتوجيهه وتنمية قدراته، كانت أهم ما في تلك الخطوة الريادية الأولى، وانه لايقل أهمية وحيوية، عن اي نظير له في أية محاولة مشابهة قد وسمت  بميسمها  صفحة  تأسيسية  مشرقة في نشأة الفنون التطبيقية في دول الخليج العربي كافة. إذ غدا يعنى بتنمية المواهب والقدرات وصقل الامكانات وتحفيز الطاقات الشابة على الظهور والنمو في بيئة تعليمية وتربوية صحية وذات رؤية مستقبلية في مختلف المجالات الفنية ، (وجدانا ومهارة ومعرفة)، ليكون منهجا لإنضاج القدرات وتفعيل الطاقات من خلال وضع وتنفيذ برامج مكثفة تعنى بإقامة الورش الفنية والدورات التدريبية وعقد الندوات التثقيفية وتوفير المتاحف والمجمعات الثقافية وقاعات المعارض والمحاضرات والندوات لإقامة الانشطة والفعاليات وتوفير الكوادرالتعليمية الاساسية والتكميلية وتهيئة  المدربين المتخصصين في مجالات الفنون نظريا وتطبيقيا. وكان من بين (هواة )الدورات الأولى المنضوين تحت لواء التجربة الريادية، من تميز في فنه، ومنهم من عد من رواد الحركة التشكيلية، وبعضهم من تفرد في تجربة الخط العربي والزخرفة الاسلامية، ونفر منهم من تبوأ مناصب قيادية في إدارة الحركة الفنية في مؤسسات أخرى . وواصلت فئة متقدمة من الشباب مسيرتها ومشاركاتها في معارض محلية وعربية ودولية. وهكذا بدأت شجرة الفن تعطي أكلها وتفيض بعطائها وانجازاتها لرفعة وتنمية الذوق الفني السليم واعداد جيل من الشباب  الموهوبين  الذين يسمون بتجاربهم ويرقون بإنتاجهم الفني، فظهرت اسماء من صفوة الخطاطين والمصورين الفوتوجرافيين أيضا.. وسواهم كثير في اختصاصات أخرى. كما اثبت ( الفنان) الخليجي مرة ثانية، أنه جدير بتنمية موهبته وصقلها وتطويرها، حتى الآن. وكانت نشاطاتهم وفعالياتهم، تشير إلى قيمة دورهم التأسيسي ، مما عكس حسا وعمقا مؤثرين في اولويات التربية الجمالية وفي رعاية مختلف المواهب وصقلها وتهذيبها وتأهيلها و والاستفادة من التجارب والاتجاهات والمدارس الفنية العربية والاسلامية والعالمية بتركيز مبدئي على خصوصية المنطلقات والرؤى الخليجية وتوظيف الدلالات والرموز التراثية والبيئية والمعمارية الاصيلة، لإيمان الجميع بأهمية التفاعل والإغناء والاغتناء مع تجارب الآخرين ليكونوا في مصاف الحركات التشكيلية العربية، فظهر جيل جديد حقق لنفسه مكانة  في مضمار لايسهل الظهور والتباري فيه، وسط تجارب راسخة في الفن العربي الذي ينطلق في اتجاهات جديدة في عالم فني متغير بتقنيته، المتتنوعة المتعددة المستنهضة من شتى التوليدات الشكلية. وقد حقق الخليجيون  خلال ربع قرن  من  المسيرة المثمرة، ما لم تحققه مؤسسات وأكاديميات ومعاهد عربية أخرى متخصصة في الفنون التشكيلية بمثل تلك الإمكانات البسيطة التي لاتقاس أبدا مع الكيانات المشابهة، ولكنهم حققوا لوجودهم قيمة جوهرية بين تجارب الفنانين العرب  وحضورا فاعلا  بين تيارات وحركات واتجاهات ومدارس فنية راسخة في تاريخ الفن المعاصر في العالم. فأصبح بالامكان الآن الحديث عن فن تشكيلي في منطقة الخليج العربي. وكان قبل ذلك، أمرا مقتصرا على أسماء معدودة من الهواة التقليديين والتلقائيين ودعاة الأعمال اليدوية والتطبيقية المدرسية على فطرتها. وبفضل ما تم انجازه، أصبحت للفنون التشكيلية مكانة متميزة بين حركات فنية عربية ودولية، وأصبح الصحافة الفنية تتحدث عن واقع الفنون المعاصرة في الوطن العربي وهو يشير إلى هذا الواقع الجديد ينمو سريعا ، وغدونا نتحدث عن خصوصية الفنان الواحد وملامح تجربته وخصوصيتها، وبتنا نحاول البحث عن القيمة الابداعية في تجارب المتميزين والعناصر المشتركة في تجارب فناني الخليج العربي ونحاول إلقاء الضوء على الملامح المشتركة في المصادر والمنابع التي تبلورت بحضورها، سمات التجربة الفنية الواحدة والجماعية، محاولين الربط بين التراث والمعاصرة ، واستخلاص الرؤية الواضحة باتجاه الخصوصية الوطنية لكي يكون الحضور الحقيقي، قائما لكل عمل متميز.. فكانت النتيجة في اطارها العام ، ثرية المنطلقات أسهمت بايجاد تجربة قدمها جيل كان لديه الموهبة اللازمة الشفافة التي أثرت محاولات الشباب بالبحث والدراسة والتدريب المتواصل باتجاه تحقيق الاهداف الثقافية والفنية.  بتلك الروح الوهاجة لاقى الفنانون والخطاطون  دعما معنويا كبيرا وترويجا لتجاربهم في انحاء العالم، ونال المتميزون منهم عدة جوائز تقديرية،عربية ودولية، مادية ومعنوية. بينما اتسعت دائرة الأهتمام بالتحولات التقنية لدى زملائهم  في النحت والخزف والحفر والجداريات والخط والزخرفة العربية والاسلامية والنقد الفني التشكيلي، و حمل بعض  الفنانين على تكوين جماعات فنية لمتابعة تطوير منطلقاتهم ورؤاهم البارعة في شتى اتجاهات ومدارس الفنون الحديثة. ،  فيما  ازدادت وتنوعت المؤتمرات والمعارض الدورية العربية والدولية والندوات واللقاءات والمحاضرات المتعلقة بالثقافة الفنية، وامتلأ الجو الفني بالنقاش والجدل حول غاية الفنان، بين الرسامين والنحاتين والخطاطين انفسهم، وكذلك بين المثقفين الشباب، وطلاب الثانويات والكليات، وافسحت أجهزة الاعلام المرئية والمسموعة والجرائد صفحاتها للنقد والرد والدراسة.. حتى تبلورت مفاهيم جديدة في  الفن المعاصر، وكان معظمها في الواقع يتوخى اساليب ما بعد الواقعية والطبيعية والانطباعية والتكعيبية والشكلية ومحاولات (الميديا) مما ساعد على ابقاء الحركة الفنية  في تصاعد مستمر وحضور مؤثر في وجدان النخبة من الناس، في حين ظهرموقف نقدي مختلف لدى فئة أخرى من المتابعين يدعو الفنانين إلى الشعور بالمسؤولية الاجتماعية تجاه الفنون الحقيقية الملتزمة بقضايا المجتمع وبسطوع الرؤية الواضحة للعالم.. وأمامنا اليوم حقيقة مبهرة  في سطوعها تفرض حضورها  و قيمتها وغرضها وأثرها، وتتعلق بتفهم مكونات وعلل ومسار الحركة الفنية التشكيلية  في التجاربالخليجية عامة، وبسيكولوجية الفنان الذي يمارس هذا النوع من الفعالية المبدعة ضمن الاتجاهات الفنية، واقعية  كانت ام تجريدية،  صوفية أم تعبيرية، تلك الحقيقة التي تؤكد بأن ثمة روحا من التراث لصيقة بالفنان. وكثيرا ما كانت تتجسد  موهبته الفردية بصورة جلية.. ومع ذلك فان كل فنان متميز، سيكون له نصيب قيم في البحث الفني وتمحيص الافكارالمستلهمة للتاريخ والتراث المشرق وبروح الواقع المعاصر بكل اِشكال التعبيرالفنية  الحديثة، وبضوء  فكرة (( عالمية وانسانية )) الفن.  وهذا سبب واحد من أسباب كثيرة وراء استلهام الفنانين لبدائع التصوير العربي، والمنمنمات و المخطوطات القديمة، والوحدات :(لموتيفات) الشعبية في الصناعات اليدوية والافرشة والمحارم والبسط الريفية  والمفردات؛ (الثيمات) المحلية الشائعة، وماحققوه اسلوبا كان وليد ذلك التزاوج بين ثراء التراث وأشكال المعاصرة، لكي  تتصل تجاربهم بمفاصل المجتمع العربي والانساني معا، ولايمكن تجوهر هوية الفنان  الا بتجذير الذات الحضارية  في تراثهم، لكي يضفي على فنونهم، صفة التميز الفاعل في الامة، وكان الغرض المبدئي من ذلك يشير إلى ربط النتاج التشكيلي المحلي بالحركة التشكيلية العالمية، وبكسر طوق العزلة على الفنان المحلي الذي باتت تطرح أمامه اليوم فرص التعارف وربط الصلات الإبداعية والفنية مع هذا الخليط “المعولم” من التجارب المستجدة في الفن الحديث اليوم.. ومسؤولية الجميع هنا كبيرة في تنمية  القيم الروحية بخطاب يقدم رؤية حضارية تبحث بقيم الفن الإنساني المشترك مع الحضارات الأخرى، حيث تأخذ الفنون ذاتها فرصة الاتصال المباشر بإنجازات المعرفة الإنسانية، وبما حققته وتحققه من تطورات تشكيلية، وجمالية،وثقافية ومعرفية واجتماعية والارتقاء بها نحو ابتكار رؤية خلاقة وأفق رحيب ومنطلق قادر على التمايز والتحاور مع الآخرالمتطور بآليات اقتصادية وثقافية وفنية فعالة. ليصبح حوارا ولغة حياة جديدة من المحبة والسلام.

4 - مقدمة في قراءة التمهيد:

أ -  يعنى فن الخط العربي بأهمية وجمالية فيوض الوجدان السامية وبالفكر العربي الإسلامي عنايته بتقدير القيم الروحية المصاحبة لمشاهدة وتامل الاعمال والتجارب البارعة، ليكشف عن جانب مهم من نتاج تعبيري نبيل ضمن الفنون الإسلامية. فهو يمتاز بأنه سلك طرقا جديدة لتجارب الخطاطين والمزوقين والمزخرفين و أولئك الذين استلهموا الخط في لوحاتهم وفخارياتهم وخزفياتهم ومحفوراتهم ومنحوتاتهم وجدرانياتهم ضمن اتجاهات ومعالجات وصياغات وأساليب  الفنون ومناهجها. ويعنى هذا الالتزام المادي والروحي بالتراث العربي الإسلامي محاولة الكشف عن جانب مهم من الفنون التعبيرية الإسلامية، في تبيان فضل العقيدة الاسلامية والآداب والعلوم والمعارف، روحياً، سعيا نحو تحقيق مفهوم الهوية والجذور والانتماء باستخدامات رموز ودلالات الخط العربي تاريخيا وجماليا وما توحي به افكار ومنطلقات وغايات وأهداف ورؤى وتوجهات واستجابات المتلقين لمثل هذه المفاهيم والقيم التي كانت سائدة وفاعلة ومؤثرة، وغدت حاجات فنية وثقافية وإبداعية وحضارية قائمة في الحاضر وتستشرف المستقبل. وتجربة البينالي، جزء من ذلك المشروع النوعي الثقافي الذي تطرحه الشارقة في بنيتها المعرفية . ومحاولة للتعبير عن الالتزام الحقيقي بالمواقف والمبايء  التي فرضتها القيم والرؤى الاسلامية الانسانية واستلهام الجوهريات المشرقة في الموروث الشعبي والتاريخي . وهذا هو المغزى المدرك من معنى الالتزام  بمفهوم الحرية وبأبجديات الذاكرة العربية غير التقليدية، لكي نثري مفهوم الانتماء في تنوع التجارب المهنية المتسمة بوضوح ووعي متقدم للبنى الثقافية والمجتمعية الأخرى. ولانقترح تماثلات بصرية واجتهادات في رسم الحرف وحركاته ومعماره، بقدر ما يفصح عن الجوهر والحافز للتغيير والتنوع المتجدد في صياغة هيكل فني عام لشكل الحرف والكلمة والجملة يتم تحقيقها بالصيغة الحداثوية  وبالمعالجة والاسلوب الحيوي التجديدي الذي يستخدم وسائل العصر الحديثة التي تساعد على تصوير ماانطبع في المخيلة إبان ولادة التجربة الحرة في نطفتها الاولى على وفق أسلوب المفن البارع الذي يشد المتأمل كمتلق متابع تثمله معطيات هذا الاستخدام الجميل للحرف العربي وتلك الاستعارة المؤثرة المدهشة لقيمة الكتابة التي تفصح بيسر وحميمية عن اسرار وتأثير مثل هذ السحر الروحي الكامن في معنى رسم الحرف وتأثيره في النفس والعقل والخيال وهو أعم المقدرات الفنية في الفنون البصرية الذي يعلن عن حضور المبدع الآبهى في فنه. من هنا سيسطع ضوء القيمة الروحية فى جمالية المعرض وهي تحمل ضمنا وعيها النقدي للمشاهد دونما تكرارممل أو نسخ ساذج او تقليد بلا بصيرة. وليس هناك متسع من نمذجة الانسان في بينالي الخط العربي لأن روح البارع في فنه تسري مسرى الدم في روح المشاهد المتلقي حيث تتسرب إلى مسامات أعماقه، رؤية النفس المثالية .

ب - متى  ينظر المثقفون والفنانون العرب الى تجاربهم الشخصية في سياق عموم الحركة الثقافية والفنية في العالم ؟  ويكمن الجواب في (محاولة البارع منهم، في بحث او تجربة جمالية تمزج بين مفهوم: ان الخط العربي (كيان من عمليات الفن) وبين تزاوج طاقة المثقف وانتاجه المرتبط غائيا بالمجتمع واقتصاد العالم، لينتج عنهما معرفة ثالثة نافذة من اشكال لها وجود المادة والروح معا ( داخل مفهوم العمليات) الذي تشع بألوان الخطوط الطيفية، لتجد تعبيرها الفني المتميز.. و يمكن  تطبيق ذلك في مجال يعيد ترتيب مفردات أشكال الحروف العربية بمعمار جمالي آخر يعبر عن فن انساني جديد سيعيد بواسطته خلق نفسه ورؤيته ومواقفه، ضمن وحدات (فنون المستقبل..) التي تجيز لنفسها رسم الخط الجمالي، الذي يمثل الفن الجديد.  لهذا تم  ابتداع رموزه الخاصة ولغته الخاصة- لغة جديدة ورموز جديدة. فن يرسم أسرار الأبجدية  بطريقة تختلف عن صياغات ومعالجات  جميع الفنون الاخرى. وبهذا المعنى فان مثل هذا النوع من الفنون  يرجع للانسان عالم الظواهر والمواضيع المستقلة الجاهزة المتميزة بعد ان تعيد تركيبها مجدداً. انها تؤكد  الفتها الروحية. انها مجموع الظواهر والاشياء والقيم والمفاهيم والافكار والرؤى التي عاش وكافح الانسان بين تفاصيلها حتى الان،بين تراكيب جديدة مثيرة. انها قيمة واقعية تعيد تشييد رموز ألف باء اللغة (بأ طياف خطية) يصبح حينئذ نسيجاً او تركيباً من الالوان. والمساحات المرقشة أو المزخرفة، لهذا فان (.. كل حرف او  وحدة من الابجدية الجديدة، كشكل/ صورة من الالوان مختارة محدود بخطوط مستقيمة يجسد معرفة موضوعية. انه ليس رمزاً اعتباطياً مثل حروف تقليدية  من حروف ابجدية اللغة الاعتيادية، او تجريداً مثل علامة رقم رياضي. ان وحدات الابجدية الجديدة هي وحدات حقيقية ( نظائر) مرئية لوحدات مادية ذات وجود موضوعي..) ان استمرارية فكرة بينالي الخط العربي كتقليد متطور وبمثل هذه التجربة، -اذ تعطي الفن مقياساً موضوعياً-، فانها تعيدالروح إلى موضوعة الفن والمجتمع أو  الفن المعبر عن المجتمع. وبذلك  يصبح دور الفن عوناً للفهم الموضوعي البناء  والممتع.  وستظهر قيمته العقائدية الجديدة ليصبح ركنا من التصميم الشكلي العام  لمسيرة فنون الخطوط العربية والزخرفية المستقبلية .

المصدر: للمزيد من المعلومات لاحظ  كراس  (واقعية الكم )– محمود صبري -1972م مهرجان الواسطي الاول – بغداد

 

6 - تكاملية الخط والرسم والنسخ والتذهيب

هل كان الرسم والخط والزخرفة، عملا ثقافيا لتراث حضاري عربي اسلامي انساني؟

نعم . كان الرسم والخط والزخرفة الاسلامية والاستنساخ والتذهيب والتصحيف والتصغير والتبويب والتصنيف المكتبي  عملا ثقافيا راسخ التقاليد، نتيجة لتراث حضاري قديم. وكان  قائما على ثلاث ركائز: الرسم، النسخ، التذهيب. وتجسد هذا اللون من الفن في كتاب (بستان سعدي) المحفوظ في دار الكتب المصرية، حيث اشترك " ثلاثة " صناع  مهرة في إنجازه : قام الخطاط  (سلكان علي) بنسخ النص المكتوب بخط متميز . وقام الفنان "يا رسى" بتذهيبه بطريقة بارعة، وأنجز "بهزاد" رسم (صورة الست). وتعتبر هذه المعالجة من السمات الجوهرية في جمالية تلك الفنون. إذ كانت تشكل الخاصية الأولى لفن الرسم آنذاك : أي الارتباط بإبداع عمل فني يقوم على تقديم الكتاب بالتصوير في إطار متكامل من الفنون الثلاثة الخط والرسم والتذهيب.

لقد تميز " بهزاد " بخاصية أخرى تتعلق باختيار الألوان بين الأحمر والأصفر والزيتونى  والبنى. مع العناية بالأزرق الزاهي، وإعطاء مساحات زخرفية مذهبة أو مفضضة.

ويتصل باختيار هذه الأ لوان طريقة التعبير المقصود آنذاك، والتي تعتمد على إغفال المنظور بالمقياس والمفهوم الحديث  للفنون، فاللوحة تبدو أمامك كأنها قطع أفقي لما يراه الفنان ويريد تقديمه. هذا القطع يجعلك تتردد أو تتوزع في التعامل معها بالبعد الثالث الذي يعطيك العمق، أو التسطيح الذي يعمد إلى نوع من التجريد سواء بزخرف خالص أو بإغفال التشريح الواقعي لحركة الأجسام كما نراه في فنون الشرق القديمة، ويتصل بطريقة التعبير هذه، العناية بالتحضير الكامل للموضوع المراد تقديمه بما يقرب أيضا من فنون الشرق القديمة أو رسوم الأطفال ولكن بشكل مدروس مقصود. نجد مكونات المكان موزعه لأعلى، فالغرفة الأولى أسفل اللوحة، ثم الثانية ترتفع عنها وهكذا. كما أن الأشخاص موزعون أيضا بهذا التوزيع المتصاعد من أسفل اللوحة لأعلاها. وتعنى الخاصية اللأخيرة بإدخال الحرف العربي بهدف استكمال التكوين التجريدي الموزع داخل اللوحة، أو يحيط بها ليقوم بعرض نصوص تتفق مع موضوع اللوحة. أو جمل ينطق بها أشخاص هذه اللوحة .. يحدد الدكتور زكى حسن، (وهو أول من وضع كتابا عربيا في التصوير الإسلامي)، بعض خصائص "بهزاد " منها:  اهتمامه بتوقيع أعماله بخط يده لأول مرة دون أسلافه ومعاصريه.  وقيامه بتحديد المساحة التي يريدها والموضع المراد عرضه على صفحات الكتاب الذي يقوم برسمه. وكان الخطاطون- (الذين يقومون بنسخ الكتاب) يقومون قبل ذلك بتحديد هذه المساحة وتحديد موضوع الرسم للفنان. وعرض الحالة النفسية واهتمامه بالشخصية التي يعرضها.. من هنا تجسدت في أعمال الرسامين في العالم الاسلامي ملكات الحس ألفني الخاصة بهم والنابعة من تاريخهم وتراثهم، بحيث لايمكن للإبداع أن يعزل العمل الفني عن متذوقه، ويتحقق بصياغة شكلية فيها جانب تعبيري عام يكشف عن مكونات المكان، أو الأشخاص بطريقة المناظر المسلسلة أو المتتابعة، كاشفا عن مكونات توائم بين التجريد والواقعية. وتجسد الألوان تفاصيل المكان في آن واحد باستخدام مفردات واقعية مألوفة، أو أن يقوم اللون بدور زخرفي في تكوينات تجريدية. ولتأكيد المعالجة الواقعية، يستعين الفنان بالبعد الثالث. ولايهتم الفنان بتفاصيل الأشخاص أو الحيوان أو النبات. فهو رسم الطبيعة بلغة جمالية بعيدة عن تقليد ونقل الواقع مباشرة، وإنما بما يتوافق مع إدخال عناصر تكميلية زخرفية من خط أو وحدات هندسية..)كما يرى ذلك  (الدكتور زكى حسن).

5-الابتكار والتجديد في الخط والرقش والتزوق:

ظهر خطاطون عرفت عنهم أنواع متميزة من الخطوط المبتكرة، منها الخط المكي والمدني والبصري والكوفي وقد تشعبت وتعددت أقلامهم ومدارسهم في أمصار العالم الإسلامي. وقد ظهر في بغداد خطاطون بارعون مثل ابن مقلة وابن البواب والشيخة زينب الأبرية وعنها أخذ جمال الدين ياقوت المستعصمي. وظهر نوابغ الخطاطين منهم معروف البغدادي وعبد الله الصيرفي وأحمد السهروردي واسماعيل البغدادي وسفيان الوهبي ونعمان الذكائي ودرويش الفيضي  حتى نصل إلى فترة هاشم محمد البغدادي والأستاذ يوسف ذونون وعباس البغدادي وصلاح الدين شير زاد وحمد الله الأماسي والحافظ عثمان ومصطفى راقم ومحمد شوقي ومحمد أمين الرشدي والحاج أحمد الكامل وسامي أفندي و عبد العزيز الرفاعي وحامد الآمدي و بدوي الديراني الدمشقي وكامل البابا اللبناني وحلمي حباب وعبد الرحمن الفاخوري و نجيب هواويني وسيد ابراهيم ومحمد حسني وخضير البور سعيدي.. وسنحتاج إلى فهرس  أوأطلس إذا شئنا  تدوين انواع الخطوط في العهد  السومري والأكدي والآشوري والبابلي والمصري القديم والكنعاني والفينيقي والآرامي واليماني والحضري والأنباري والحيري والحجازي والنبطي السنائي الذي تحدرت منه الابجدية العربية الحالية وتطورت ابجدية الانباط لتصبح الحروف نصف موصولة مع نهاية الربع الثاني من القرن الثاني قبل الميلاد. وكان نظام الكتابة عندهم  مقدسا و يسمى «الكتبى» وهو مشتق من فعل الكتابة كما كان «نبو» عند السومريين و«ثوت» عند المصريين و«هرمز» عند اليونان.. ولقد أسهم الانباط العرب بتطوير الابجدية العربية و الحرف العربي الذي اشتق من الحروف الآرامية. التي كان يستخدمونها في كتاباتهم آنذاك وبعض شعوب العالم المعاصر التي استخدمت الحروف العربية ولا تزال حتى الآن تكتب لغاتها بها، كالايرانيين والباكستانيين والماليزيين والافغان ، والاتراك قبل عام 1920م والمسلمين في الهند وبعض دول جنوب وشمال شرق آسيا، وكذلك في البوسنة والهرسك وبعض دول افريقيا الاسلامية. لان الحرف العربي هو الحرف الثاني بعد اللاتيني في عدد الشعوب التي استخدمته.. فالحرف اللاتيني تحدر مثل الحرف النبطي العربي من اصل واحد وهو الاصل الفينيقي فانتشر الاول في اوروبا والعالم الجديد عبر اليونان والامبراطورية الرومانية والكنيسة المسيحية، اما الثاني فانتشر في المشرق  بعد انتشار الاسلام. واستلهام الخطوط العربية والرقش والزخرفة الأسلامية.

لقد تعرف الفنانون العرب، المهارات اللازمة لاستخدام انواع كثيرة من الخط العربي المعاصر بوسائل وبذائقة فنية متقدمة، تطلبت الالمام الحرفي المطلوب بمعرفة انواع الخطوط ومنها : التعليق والثلث والديواني والنسخ والرقعة  وتلك التي استولدت من الخطوط الكوفية حتى تجاوزت السبعين نوعا. وقد أجاد في بعضها الخطاطون الخليجيون والفنانون العرب المعاصرون. الذين يستلهمون الحرف والكتابة العربية في أعمالهم الفنية وفي محاولاتهم تضمين أعمالهم جوانب مختلفة ومتنوعة من الخطوط العربية والمعالجة  الزخرفية والرقش داخل معمار فني واحد. وفي وسائل  تقديم تجاربهم للمشاهد( بصريا  أيضا )، فهم خطاطون  و ملونون ومزوقون يفهمون   صنعتهم  يفعلون وكيف يستنفذون ممكنات الطباعة  المتطورة وامكانات انتاجها  اللونية  وتنفرد هنا حرفة وصنعة البعض منهم ، بمعرفة الالوان  التي تخدم  أعمالهم وتحقق اعلى درجة ممكنة من الاحتراف في صناعة العمل  الفني بوسيلة الطباعة الرقمية ومحاولة  الرسم  على الورق المعالج .. أو تنفيذ الاعمال الفنية على مسطح الورق او القماش بوسيلة الشبكة الحريرية  وهي طريقة شائعة  من طرق الجرافيك  التجاري أيضا .كذلك سعى البعض منهم الى التعرف على مختلف تقنيات  الرسم لأنها تخدم معالجاتهم لمواد الخط العربي بطباعة متقنه وصنعة متميزة وذات سحر تتعاطف معها العيون والبصيرة  وتستثير الوجدان  لما هي في مثل هذا ألانتاج الفني من خصوصية.. وهناك جانب مهم يتعلق  بتكاملية عدة وحرفية (الخطاط – الفنان) يجب معرفتها بعمق، وهي أن العمل على انجاز المخطوط عادة بزخرفة  في مطلعه وينتهي بزخرفة أخرى  في صفحته الاخيرة، حيث يسجل غالبا  أسم الخطاط  وتاريخ الانتهاء من تدوين النص ، كما يتم أيضا تزويق الصفحات التي تضم العنوان واسم المؤلف والاهداء والعناية التامة بالزخارف التي تزين رؤؤس  أبواب النص وصفحة الفهرسة . أما الميداليات  الهامشية التي نراها عادة  في مخطوطات القرآن الكريم فهي تشير الى نهايات ألآيات وغيرها من التقسيمات التي تنظم قراءة النص القراني، ويعتمدها الخطاط  لأنجاز ألأنماط الزخرفية التزينية وتدوين النص وبسط الألوان والذهب، بوسيلة أقلام قصبية ذات مقاطع مستقيمة أو منحنية  أو مائلة حسب متطلبات الخط والالوان والحبر المستعمل . نلاحظ هنا : إن الاسلوب الخطي المستعمل هو الذي يؤرخ الزخرفة وذلك لان كل اسلوب خطي يتعلق بحقبة زمنية محددة، ففي المغرب العربي ثلاثة انواع من الخطوط المستعملة منذ القرن الثامن الميلادي: الخط الكوفي الذي ظل منتشرا حتى حدود القرن الثاني عشرالميلادي والخط الكوفي المغربي الذي استعمل حتى نهاية القرن الخامس عشر الميلاد ما يزال متداولا حتى الان، بينما كان الخطاطون في مشرق العالم العربي والاسلامي الأكثر ثراء وغنى وتنوعا وابتكارا وتطورا في رسم الحروف العربية المستولدة والمبتكرة في نطاق حضورها التصويري وحسب وليس في انحرافها عن قواعد الخط الجوهرية .

وإذا كنا نتساء ل عن الومضة الأولى التي فجّرت في داخل كل خطاط أو فنان استلهم الحرف العربي والكتابة والزخرفة العربية الاسلامية، سنجد الأجوبة تكاد ان تتشابه وتتداخل في منابعها وتوجهاتها.. وسنحاول اختيار بعض التجارب للمثال لاالحصر، وبعض النماذج التي تعكس هذا الولع الفني بالخط والتشكيل.بالفن والأدب.. ومنها تقسيم المخطوطات وطرق انجازها وتزويقها وزخرفة  بداياتها ونهاياتها وحواشيها وهوامشها  : إذ يبدا المخطوط عادة بزخرفة في مطلعه وينتهي بزخرفة اخرى، حيث يسجل غالبا اسم الخطاط وتاريخ الانتهاء من تدوين النص ، كما يتم تزويق الصفحات التي تضم العنوان واسم المؤلف والاهداء، وتجدر الاشارة ايضا الى الزخارف التي تزين رؤوس ابواب النص وصفحة الفهرسة.وأما (الميداليات) الهامشية التي نصادفها عادة في مخطوطات القران الكريم فهي تشير الى نهايات الايات وغيرها من التقسيمات التي تنظم قراءة النص القراني. ويعتمد الخطاط في انجاز الانماط الزخرفية وتدوين النص وبسط الالوان والذهب،( اقلاما قصبية) ذات قطة مستقيمة او منحنية او مائلة حسب متطلبات الخط والالوان والحبر المستعمل.

ومن بين الاساليب الزخرفية المتبعة تقليديا،-و(عادة الاسلوب الخطي المستعمل هو الذي يؤرخ الزخرفة)-، وذلك لان كل اسلوب خطي، يتعلق بأمكنة وبحقبة زمنية محددة. ففي المغرب العربي ثلاثة انواع من الخطوط المستعملة في الزخرفة، وذلك ابتداء من القرن الثامن الميلادي: هناك الخط الكوفي الذي ظل منتشرا حتى حدود القرن الثاني عشر الميلادي، والخط الكوفي المغربي الذي استعمل حتى نهاية القرن الخامس عشر الميلادي، والخط المغربي الذي لا يزال متداولا حتى اليوم.إذ ان الزخرفة تتمحور وتنتظم حول الكتاب ومنذ البداية نلاحظ تواجد اسلوبين: الخط النسخي والخط الكوفي. يستعمل الخط الكوفي في تحرير الوثائق الرسمية، وهو خط صارم يتشكل من خطوط بسيطة، وحروف ذات ذيول ترتمي الى فوق او الى تحت السطر كما يمتاز بزواياه المستقيمة والمنحنية. وكل من الاسلوبين المذكورين له صيغ اقليمية متنوعة تخضع لقواعد مضبوطة. وساد هذا النوع من  التزويق بالخط الكوفي من القرن العاشر الى القرن الثاني عشر، بينما اشتق التزويق بالخط الكوفي في القرن الثاني عشر الى القرن الخامس عشر من الكتابة الخاصة بمنطقة المغرب العربي، وقد عرف خلال القرن الثامن الميلادي (بالقيروان في تونس) كما استعمل ايضا في الجزائر وليبيا والمغرب والاندلس حتى حدود القرن الخامس عشر. ..(ويمتاز الخط الكوفي المغربي بمسك ذيول حروفه القصيرة العريضة التي ترتبط فيما بينها بخطوط ذات نهايات مائلة. ونجد به علامات التشكيل على هيئة ملونة لتميزها عن نقط الحروف..) ويعد الخط المغربي المسمى ايضا بالخط الاندلسي تركيبا خطيا يجمع بين الخطين الكوفي والنسخي وقد استعمل خصوصا في المغرب الاسلامي. وقد استمر التزويق بالخط من القرن التاسع الى القرن العشرين.. هناك صيغ عديدة للخط المغربي: -( المبسوط )، وهو الخط المغربي العادي.- (المجوهر)، وهو الصيغة الجميلة للخط المغربي.- و(المسند) او الخط المغربي الاداري. وكل هذه الصيغ تستعمل تبعا لطبيعة النص والزخرفة.وتستعمل الزخرفة النباتية في هذا النوع من الزخرفة، اوراق الكروم والاقنتة والياسمين والغرونقي والوردة الصنوبرية وسعف النخيل التي يقوم المزخرف بتهويرها بشكل فني كبير. وهكذا تبدو براع الاوراق متموجة او مسطحة مستديرة، او مسنونة مرتبطة احيانا بسيقان متشابكة بشكل منحن، او منتظمة حول انماط لولبية. وتستجيب الزخرفة الهندسية لقواعد رياضية، تلك القواعد التي تنظم اشكالها الاساسية: المربع، المثلث، الدائرة. وتتكرر هذه الاشكال الهندسية حسب حركة تناظرية بحيث تكون شبكات معقدة من الاشكال المثمنة والمسدسة والمخمسة والثلاثية.

وتدون النصوص اسم المؤلف وعنوان المخطوط، والدعوات والتضرعات بالذهب الذي يحاط بخط اسود رقيق، اما الانماط الزخرفية النباتية والهندسية، فتطلى بالذهب وبالالوان الطبيعية الزاهية، وهكذا تبدو الالوان متموجة انطلاقا من استعمال المزخرف لقوانين الكثافة والتعاقب والنقاد والتناظر. كما تحاط الزخرفة باطار مستطيل فتملأ بذلك جزءا من الصفحة او الصفحة بكاملها تاركة مع ذلك هامشا توضع عليه بعض الانماط الزخرفية: (ميدالية الهامش). قد تكون هذه الاخيرة منفصلة عن الزخرفة الرئيسية، اما الاشكال التي ترد بكثرة في هذا النوع من الزخرفة فهي: الدائرة، والدائرة المصحوبة بانماط على هيئة شعلات، القبة والاكليل.

والمخطوطات المغربية موجودة في مكتبة الحسنية الملكية في الرباط و يعود تاريخها الى ثمانية قرون في مجال زخرفة المخطوطات في المغرب.

 

إن للخط العربي بكل حرفياته وتقنياته وتنوعات أشكاله وطرزه وقيمه الجمالية والثقافية، هو أكثر من مجرد علامة من علامات التواصل اللغوي الثقافي، كما انه ليس مجرد فن حرفي يعبر عن تقاليد معينة، او وسيلة تجريدية شكلية لها علاقة مباشرة بالبنية اللغوية، انه الآن يعد واحد من مجالات الفن التشكيلي العربي وأكثرها أصالة وارتباطا بروح اللغة العربية، فهو عمل فني متكامل الشخصية، أكد حضوره الروحي والمادي كتيار في الحياة التشكيلية العربية والعالمية ، لما للحرف العربي من قدرات  تشكيلية وتعبيرية متنوعة..

إن وجود العوامل التجريبية في معالجات الفنانين التشكيليين يعلل تعدد التباين في البحث والتقصي غير المستكمل في جذور التجارب التشكيلية الشابة  في السنوات الأخيرة ، بما فيها توصلات الرعيل الأول بدرجات متفاوتة.. إن الانفعال السريع بأدوات الفن الحديث، لم يثن القلة الجادين عن البحث في خصوصية التجربة الذاتية في  (محتواها ) وانتمائها في (الشكل) عالمياً. وليس زمنيا وحسب، وإنما بالبيئة والأحداث وبمختلف الظواهر الاجتماعية، وبنوعية الحياة التي ينبغي أن يسعى المبدع إلى التعبير عن موقفه إزاءها بوضوح (شكلاً ومضموناً). إنها جزء من قناعة الفنان بفن ملتزم بالانسان وبزاوية النظر إلى الحياة. ولكن احتمال وجود إنجازات من هذه الاماني، لم تتجسد بعد في معظم النتاج التشكيلي  ومنها التي استلهمت الحرف العربي بالصورة المرتقبة المرتجاة التي تسعى إلى جوهر البحث الفني.

قد نجد بين القلة من الخطاطين والمزوّقين. تجارب  واضحة  في هذا المنحى

سعيا لبلورة الموقف الفكري بين الذات والموضوع، خلال إخضاعها العلاقات الجزئية لحركة الحروف  وايقاعاتها  وتفاصيلها وعلاقتها بتصميم الشكل، وبالموضوع والمضمون معاً. لكي يتواصل إلى وضوح الموقف بين الذاتي والموضوعي، الاجتماعي والإنساني.. وقد برعت بعض الاستعارات في استلهام عناصر التكوين أكثر منه في سائر  عناصر التصميم العام الاخرى. ويحدث مثل هذا معمشاريع  (المعمار) من حيث المبدأ، فأهمية التصميم تأتي من استيفائه للضرورات النشائيةالاساسية والتكميلية والمقتربات الضرورية وهي أساس نجاح الشكل المؤثر في نوعية الحركةالداخلية، وإيقاع مفرداتها وفواصلها وركائزها وهيكلها العام. فما هي علاقة الخط والزخرفة العربية والاسلامية بالمعمار؟

إن القيمة المعمارية تكمن في الغاية الجمالية والوظيفية التي ترتكز إلى حاجة الإنسان الجوهرية في ظل ظروف الانسان الزمانية والمكانية المحددة والمرتبطة بالبيئة الجغرافية وبالخلفية التاريخية لمفردات الحضارة القائمة في عصر محدد بنوعية معيشة الشعب : هل هو ( اسري – قبلي – مجتمعي منفتح أم منغلق – إنساني ) وما نوع البيئة التي يعيش فيها ، هل هي صحراوية – جبلية – سهول رسوبية منبسطة –على ضفاف بحيرات أو أهوار – أو شواطئ أنهار أو سواحل بحار ومحيطات.

إن  طوبوغرافية الخليج العربي الجغرافية والتاريخية العامة تمتلك مثل هذه البيئة تماما ومن هنا يمكن التحدث عن المجتمع ( الإنساني الفردي – العائلي – القبلي – المجتمعي ) وحاجته إلى ابتكار ( شكل آمن ) من أشكال المباني لحماية ( نفسه ) منذ معيشته في كهوف ومغارات الجبال وموازاته .. وحماية عائلته ( سكن بدائي، وعشيرته، على هيئة تجمع يتكرر ويتجاور وينتظم داخل حيز جغرافي نطلق عليه ألان تسمية (محلة)أو (حي) أو (حارة) واحدة لأنها تضم عوائل أو عشائر أو قبائل ( في إطار مجتمع ) له خصائص وصفات وتقاليد وعادات متشابهة أو متقاربة أو متطابقة أو متوحدة في أساليب حياتها اليومية وتفاصيل ما يحدث في المكان الواحد وفي المجال البيئي ذاته من المأكل والمشرب والعمل والتنظيم الأسري والمجتمعي ..من هنا ظهر التنوع في طرق المعيشة الشخصية ما بين المسكن الخاص كبيوت الطين والخيام وأكواخ القصب (من البردي والبواري) او المسكن العام  كالقلاع والحصون الحجرية و القرى والمخيمات والوحدات السكنية..  فالمجتمعات الأكبر والأوسع الأكثر أهمية (حضريا) في ما ندعوه الآن بالمدينة وفي تنوع واختلاف المجتمعات السكانية بتنوع استخدام مواد البناء المعتمدة من البيئة ذاتها كالطين والتبن ثم مادة الخص في مرحلة لاحقة تقدمت بمرور الأحقاب الزمنية التي مرت على مسيرة الحضارة الإنسانية في الخليج العربي وبخاصة استخدام الأحجار في بناء حصون وقلاع ضمن معرفة لازمة لتخطيط المعمار في صناعة التحجير ومواد البناء الأخرى من الرخام والأخشاب، التي تتاجر بها (مجان)مثلا مع حضارة بلاد ما بين النهرين والحضارة الحسية والكيدية وبلاد الفرس وحضارات الإنسان في الشرق الأدنى كالحضارة الكريتية والمسينية والفينيقة والآرامية واليونانية القديمة وحضارة أسيا الشرقية: الهندية والصينية القديمة..)* . ولا يمكن فصل استخدام الأحجار المقطعة صناعيا اليوم عما كان سائدا في صناعة التحجير وفي تقطيع الرخام وتعشيق الأخشاب في المداخل والسقوف والأبواب والشبابيك والأرائك والمقاعد والأثاث عامة،اذ يعكس هذا الفن الطابع الاجتماعي لرقي الامم والشعوب.. وتعامل الانسان مع البيئة و المناخ.. والفن المعماري هو النتاج المباشر لطاقات متعددة تكيف مستقبل كل امة تطبع نوع الفن والعمارة وتلازمهما متناغمين بصفة مستمرة عندما يشكلان عاملا يحفز التطور الثقافي و الوجداني في المجتمع. دون  ان يستبدل الكيف بالكم و القيم الروحية بالقيم المادية. ففي الخليج اليوم نهضة معمارية حية تعبر عن نفسها منذ عدة سنوات بكل نشاط. اصبح بفضلها فن المعمار خميرة التطور و قيمة من القيم السياسية و الاعلامية الموثوقة و متعة للجميع تمثل ظاهرة اجتماعية جديدة.

إن مفهوم (العمران) يقوم على : الإنسان بقيمه الروحية والاجتماعية والمكان العنصر الجوهري لوجود الإنسان جغرافيا والزمان البعد الوجودي والروحي والانتماء إلى القيم المشرقة في التراث والتاريخ الإنساني. ولا يمكن الفصل بينهم أو تجريد أي منهم من علاقته التكاملية بالآخر, وتلك هي أجزاء من مبادئ التصميم الجوهرية لان التصميم العمراني والمعماري يتحقق بتزاوج ثلاثية المعطيات الجوهرية: الإنسان والمكان والزمان. وهذا هو لبّ الاتجاه الجوهري في قيم ومبادئ التصميم الذي يتطلب تفاعلا ايجابيا لدراسة الوحدات البنيوية للعمران لتعامل مع الفضاء والضوء والمحيط التابع للمبنى, لكي تتواشج العلاقة طبيعيا مع مفردات الواقع الجغرافي القائم و نسيج المكان.. كالبيئة الجبلية والسهول المنبسطة والطينية الرخوة والصحراوية والساحلية، لكي يساعد على فهم خصوصية المكان أيضا وعلى التمييز بين الفضاءات المغلقة والمكشوفة وشبه المفتوحة، وبين مكان البناء الأفقي والعامودي لإيجاد عناصر التوازن بينها وتحاشي الاختلافات والتباين بين المستويات كافة لتتلائم مع البيئة وتفاصيل ورموز جذور الإنسان في مكان محدد يجعل فيه حركة الشمس تغطي مساحة البناء شمالا في الفضاء المكشوف، أما البناء المغلق فيمكن الاستعانة بمناور من قباب زجاجية تساعد على تدفق الضوء المتواصل طيلة النهار، إضافة إلى رؤية المعماري إلى المخطط الحضري ذاته.. أما مهمة علماء الاجتماع والاقتصاد والطبقة السياسية فتشكل حالة استشارية يدلي بها كل باحث في اختصاصه والكل يصبح واحدا لمجتمع واحد بعد وضع التشريعات للفصل بين الخاص والعام كما حدث في بعض مدن الخليج العربي والجزيرة العربية التي أمكن استثمارها بإرساء مشاريع البنية التحتية كالمساحات الخضراء والمتاحف والمراكز الثقافية والمكتبات و المساجد، قبل أن تتأسس (هوية معمارية ذات خصوصية)، فكانت خلاصة البحوث كافة، انها وليدة تزاوج قيم الحضارات الشرقية القديمة: حضارة وادي الرافدين (العراقية القديمة) وحضارة وادي النيل ، (المصرية القديمة) وحضارة الصين والهند وفارس،  وتفاعل متراكماتها الثقافية  مع قيم  مفردات الحضارة العربية الإسلامية الجديدة. فكانت عملية إغناء واغتناء متبادل في  المعرفة الشاملة، إذ تم استعارة بعض الخصائص المعمارية من الأبنية الموجودة بالفعل والمرتبطة بالديانات والثقافات المحلية الأخرى, , وعندما تطورت خصائص المهارات الحرفية الجديدة، تطورت أفكار ومنطلقات وتقنيات ومفاهيم ورؤى التصاميم.. على امتداد فترات التاريخ المتعاقبة. بسبب  روح المكان وبسبب البعد التراكمي, والتعبير الثقافي للمبادئ الإسلامية.  مما يشير إلى إمكانية تعميم أسلوب معماري إسلامي عالمي في البلدان التي أصبحت تربطها بشكل كبير علاقات التجارة ونقل التكنولوجيا والاتصالات والصور المشتركة، بمعزل عن القلق على ملامح الهوية الإسلامية..

6 - فضاءات الخط العربي:   لقد  أجمع الكتاب على دراسة تضمين الخطوط العربية في تصميم المسجد, لما للكلمة المكتوبة من مكانة في القيم  المعمارية الإسلامية, لأنها تحقق النموذج المثالي للزينة في الزخرفة الإسلامية التي تقصي الكائن الحي من الرسم, رغم أن بعض الرسوم بالخط العربي والنباتات تمثل أشكالا لطيور وحيوانات. كما أن الخط يلعب دوراً بارزاً في أيقوناته التي تستدعي آيات القرآن الكريم فوق أسطح البلاطات الخزفية, أو الأسطح الحجرية, أو التكوينات الجصية أو الألواح الخشبية. لذا أفرد دراسات مستفيضة لبيان دور الخط العربي في تصميم المسجد. ذلك  لأن شيوع استخدام الخط الكوفي في البداية كان لاعتباره الشكل الوحيد لكتابة الخط العربي, حتى جاءت الخلافة العباسية وأدخل خط الثلث في تلك التصميمات الحروفية. ومن خلال دراسة تحليلية يصل إلى أن يربط كل ركن بالمسجد بآيات من القرآن الكريم, حيث تشيع آية الكرسي في القباب, وفي المحراب نقرأ:(.. كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا ..) (أو)(.. فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب وفي المصابيح الزجاجية المعلقة: الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها ..( مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يـوقــــد مـــن شجـــرة مباركة زيتـــونة لا شــرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم..)  وربما بعضا من الآية نفسها: (..نور على نور أو: الله نور السموات والأرض..) وهناك مقتطف من الآية 185 من سورة آل عمران: (..كل نفس ذائقة الموت..).(كتاب عمارة المسجد)- الهامش.

ابتكارات وخصوصية إسلامية : يشير كتاب (  المساجد ) أيضا إلى الوفرة في استخدام الأشكال الهندسية بزخرفة المسجد, سواء لصياغة بعدين أو ثلاثة, إما على السطوح المستوية أو المقوسة, وهي الاستخدامات التي تلعب دورا مهما في إخفاء خامات صنعها, فضلا عن أنها تفتح الباب أمام الأعداد والأرقام والحروف, التي تمتلك أيضا قيما بلاغية واستعارية مهمة لتضيء ذلك البعد الهندسي بالحديث عن تطبيقاته ونظرة العلماء إلى استخدامه في تصميم المساجد, واعتبار (المقرنصات) - وهي صيغ معمارية تزيينية من الأقواس الصغيرة - اختراعا إسلاميا, ويقول إنه رغم وجود جذور لها تمتد حتى القرن العاشر الميلادي فإنها لم تكن شائعة حتى جاء القرن الثاني عشر الميلادي لتصبح خصيصة معماريةعلى امتداد  مساحة العالم الاسلامي. وهذه المقرنصات تمثل تشكيلات هندسية متطورة تماما, تصف الوحدات فيها بشكل متكرر, واحدة فوق الأخرى, (إنها في الصور تشبه ندف الثلج الساقطة من سقف ترسم وحداتها المتشابهات عمقا هندسيا بارع الجمال). وقد تصنع هذه الوحدات من الخشب أو الحجر أو الجص أو الخزف لتقدم نسقا مرنا لمعالجة السطوح حتى أنها تناسب أي مساحة وأي مكان, بل ولها أن تحدد الفضاء والفراغ وتقسمه لأكثر من حيز. وللخط والزخرفة العربية الاسلامية دور مهم في مشهد العمارة الجمالي. وعلى المعمار المهندس المعاصر أن يجيب عن أسئلة بناء المسجد بشكل عملي: ما الغرض من بنائه, وما الذي يستطيعه, بل وما الذي يجب أن يقدمه? وهل هو تلبية لحاجات اجتماعية? وتأتي الإجابات لترضي المؤرخ من ناحية, وتشبع فكر المعماري المعاصر من ناحية أخرى.وترسخ المفاهيم الجميلة للخطوط العربية وزخرفتها.. وفي إنشاء المساجد يمكننا أن نلمح نقاطا تصميمية جوهرية تكميلية  مشتركة بينها وبين الخط والزخارف الاسلامية توزعت بهندسية حساسة دقيقة على  مساحات (مسقوفة في جزء منها) مخصصة للصلاة,  تضم الحرم والرواق والصحن, في حيز المحراب, , و دائما ما يكون المنبر إلى يمين المحراب. وهناك الدكة أو مجلس القاضي, أو مقعد قارئ القرآن, وأمامه كرسي القراءة, وهو حامل خشبي لحمل المصحف، وحميع لأمكنة التي ذكرت،  مزخرفة و منقوش أو محزوز او محفور عليه بخطوط عربية جميلة. 
فما هي علاقة إيقاعات أنواع  الخطوط العربية والزخرفة بمساحة المعمار؟
لقد تكررت عدة محاولات سعت إلى خلق فهم أفضل للوحدات والعلاقات القائمة بين مادة المعمار وقيمتها الروحية الإسلامية اليوم وعلاقتها بالمسجد عامة، وما يغتني به من جمالية مشهد المعمار الداخلي وأشكال وحركات وإيقاعات الخطوط العربية حيث نرجع البصر كرتين في مجمل تاريخ المسجد, بل وأن نعيد تفسيره, بنظرة خاصة إلى الأشكال الفنية السامية والتصميمات التكوينية الأساسية والثانوية ومقترباتها جميعا من قيمة الفضاء , من ناحية وكذلك أنساقه السيميائية من ناحية أخرى, ويعني بها الرموز والعلامات التي يستخدمها أفراد أي مجموعة اجتماعية لإيصال قيمهم المشتركة, وهو يظن أن في ذلك إدراكا للمفاهيم المجردة, مثلما هو سبيل لبيان وظائف هذه الرموز والعلامات. لأن للمساجد, مثلما للآثار المرتبطة بدور العبادات في الأديان الأخرى, صورة تمثيلية تحمل قيما بعينها يحفها الحضور الإلهي في أماكن العبادة - بما تحويه من ذاكرة, وفكر وعاطفة, فردية وجمعية.. ونجد, داخل أي جماعة ثقافية اجتماعية, اختلافات حول مفهوم التقديس في التعريفات والحدود والأدوار, تنشأ من استجابتها للظروف التاريخية المتغيرة ..).
وحول جمالية المكان وروحانيته، فإن معمار المسجد، بما يتضمنه من آيات  خطت بعناية فائقة خلابة مؤثرة جماليا،  قد صمم وتم تشييده داخل وعي وفيض  روحي  لا يمكن أن تعزى أهميته وتاثيره بالكامل لعناية المصمم المعماري وموهبته وحسب, بل أن هناك عناصر روحية وانسانية أخرى أسهمت في تجسيد  رموز فن البناء وزخرفته الغنية  وخطوطط  كتاباته المتنوعة من بدائع الخط العربي .. ثم اكتسبت بشكل تقليدي دورا تكامليا مع الحياة اليومية للمجتمع الإسلامي
ولم يكن المسجد, ذلك المعمار المشيد بأكثر من هيئة مجرد دار تدين وعبادات, بل جعله العالِم مدرسة, وكرسه الحاكم منبرا, واختاره القاضي مجلسا لعودة الحقوق إلى أصحابها, وعده المسافر ملجأ. واعتبره نقدة علم الجمال المعاصر من آيات الفن الاسلامي الانسانية. أنه كلما اتسع البناء الذي يكرسونه للمفاهيم والرؤى الجديدة, زادت جاذبيته الروحية واجماليته الفنية..
The Mosque: History, Architectural, Development & Regional Diversity> المصدر:كتاب المسجد

وصدر عن قسم النشر بالجامعة الأمريكية في القاهرة

صفوة المعماريين و الكتابة والزخرفة - 7

كان  هناك تشابه حدث قبل أكثر من خمسمائة عام بين المعمار سانسو فينو (1486- 1529) و(بالاديو) وبين صفوة من المعماريين العرب من حيث استعارتهم لتجربتهما في البندقية التي تؤكد أهمية الإنسان في المكان والزمان

وما كانت هذه التجربة إلا إعادة ملطفة مزخرفة لفكرة بالاديو في بناء المسرح الاوليمبي الذي كان آخر مبنى تعهده وبدا في تنفيذه (عام وفاته) وأنهاه بعده المعمار (اسكاموتزي) وفق رسوم بالاديو التي استلهم فيها النماذج الرومانية القديمة وكانت مصدر الهام في تشييد وبناء الكثير من المسارح فيما بعد مثل مسرح البالاديوم في لندن، فهل أن مثل هذه الفرص الذهبية لم تتح للكثير من المعماريين العرب كما حدث للمعماريين في البندقية آنذاك؟ فسر المعمار( بالاديو- من البندقية) العمل المعماري بقوله: (عندما يُقدم المعماري على بناء بيت لواحد من علية القوم وخاصة من يشغل منهم مركزا مرموقا، عليه أن يشيده مزودا برواق وشرفات وقاعات واسعة جليلة مزخرفة في سخاء حتى يستطيع أن يستقبل الوافدين عليه بصورة لائقة، كما يشد انتباههم ما تقع عليه أبصارهم من زخارف مبهرة فلا يحسون مللا أثناء انتظارهم حضور صاحب الدار).. فاستطاع المهندس المعماري أن يجعل الراحة تكون حيث يكون الجمال، وقد استدعى بالاديو أهل البندقية لتشييد عدة مبان غير أن القدر لم يمهله فودع الحياة قبل أن يفرغ من مهمته، فواصل المعماريون (البنادقة) العمل فيما اخذ فيه بالاديو مستأنسين بتصميماته.

فرص ذهبية: الحقيقة أن الفرص الذهبية قد بدأت مع المعمار العراقي  د. محمد مكيةعلى سبيل المثال، منذ أن صمم تفاصيل جسد وروح جامع الخلفاء في بغداد عام 1963، إلى جوار مئذنة تم بناؤها عام ( 1279) تمثل في طرازها روح الآثار المتعاقبة بدءا من القرن الثاني عشر فأسبغت على شارع الجمهورية الذي يضم:( جامع الخلفاء ) مسحة من الفتنة والجمال والبهاء المعماري والخطوط والزخرفة العربية والاسلامية، بينما كانت أوروبا في هذه الفترة تعتمد طرازا معماريا استخدمته القبائل الجرمانية الغازية التي اجتاحت الإمبراطورية الرومانية خلال القرن الثاني عشر، وقد استند الفنان المؤرخ في وصفه لهذا الطراز غير الكلاسيكي في مجال المعمار إلى ما ورد في المؤلف الوحيد كتاب:( فن العمارة ) لمؤلفه( فترو فيوس).

كان تنوع وتعدد وثراء الخطوط العربي والزخرف، قد أسهم بتطور وظيفة الارتكاز المركزية في المعمار العام ليجعل منها قوة جذب أساسية في التصميم ، ولكنها ظلت محافظة تقليدية في معالجة تنظيم الفضاءات حققت آنذاك برؤية حداثوية كما ظن سانسو فينو في عمارة البندقية انه تطلع نحو التحديث في تصميم مكتبة البندقية التي افرغ فيها أفكاره الجديدة التي جعلت منها نموذجا فذا للمرحلة الانتقالية. على خلاف ما كان يتبعه د. مكية في تصميم مبنى بلدية الحلة: ثمة رواق مكشوف لطارمة أمامية يرتكز سقفها على مساند آجرية كما جاء تماما في تصميم مكتبة البندقية، فالرواق الدوري، الطراز العاري من كل زينة في الطابق الأرضي هو في الواقع رواق مفتوح، ويعد بمثابة قاعدة يرسخ فوقها الجزء الأعلى من المبنى الغني بالزخارف والخطوط حيث تتخلل نوافذ الطابق الأول المعقودة أعمدة أيونية تضفي عليها إيقاعا آسرا وتبرز جمالها وتؤكده ويتلو موقع النحت البارز سياج (درابزين) يلف حول سطح المكتبة بأكمله ويحمل صفا من التماثيل تشكل السماء خلفيته كما حصل مثلا في الجزء العلوي من واجهة سينما الزوراء في بغداد – لا علاقة له في تصميم معمارها- وما تخللها من زخارف ومحفورات نحتية بارزة فوق غرة جبين الباب الرئيس لمدخل السينما الذي يشبه إلى حد ما المقر الرسمي الدائم لرئيس وزراء فرنسا حاليا وهو من تصميم المهندس( جان كورتون 1671- 1730) وكان يدعى اوتيل ماتينون في شارع فارين في باريس (ومن سمات هذا الطراز المعماري وجود خطوط الأرابيسك المنغمة والمنحنيات على شكل حرف (s) والألوان البيضاء الباهتة والذهبية والاستخدام الحاذق للإضاءة والمرايا والصيغ الزخرفية المستوحاة من الطبيعة وقد تواشجت مع بعضها البعض بروح يشوبها المرح والبهجة والتحرر كالسحب والزهور وأفنان الشجر وأوراقها والطيور وولدان الحب والآلات الموسيقية

أمثلة نموذجية من بين تلك الأمثلة التي يوردها المعمار د. خالد السلطاني، عدا ما موجود في بغداد، يذكر مبنى مسجد الكويت عام 1976 ومسجد الصديق في الدوحة عام 1978 وكذلك التصميم المعد لجامعة الدول العربية في تونس عام 1983 وعشرات المشاريع الأخرى ذات الإغراض الوظيفية المتنوعة والمنفذة في بلدان الخليج العربي المختلفة؛ فأمثال هؤلاء المعماريين العرب يؤكدون على النتيجة المنطقية لحيوية مزاج الناس حسا وحماسة كما جرى في تجربته عن مدينة مسقط وبعض عواصم الخليج العربي وكان يؤكد على نوعية مادة البناء الإنشائية والتقليدية التي استخدمها في مشاريعه كالطابوق والجص والطين المحروق كما فعل (بالاديو) عندما صمم مساكن خاصة في بعض المدن الريفية الأقل ثراء من البندقية لأنه كان يؤمن بأسبقية التصميم على مادة البناء الأقل كلفة والأكثر نفعا واستجابة لتحقيق الأفكار المعمارية لأنه يرى سمو المعمار يكمن في التصميم والفكر لا في مادة البناء وحسب فالنسب المدروسة للكل والترتيب المنطقي للأجزاء هما من أهم الخواص المميزة لفن المعمار، وهكذا نقل فكر المعمار بالاديو إلى العصر التالي، الشغف بالتماثيل والتراصف واستخدامه الحكيم للطرز المعمارية الخمسة: التوسكاني والدوري والأيوني والكورنثي والمركب: واستخدامه البارع لمبدأ التزاوج والتعارض في تصاميمه التي توضحت في كتاب بالاديو بعنوان: (أربعة كتب عن العمارة) فخلف فكره أثرا عميقا في فرنسا وإنكلترا بعد أن ترجمه إلى الإنكليزية تلميذه إنيجو جونز، والغريب أن الرئيس الأمريكي توماس جيفرسون لشدة حبه لتصاميم بالاديو وولعه بإنجازاته المعمارية قد اقترح أن يشيد البيت الأبيض على غرار تصاميمه لهذا فان تصميم البيت الأبيض مايزال يحمل بصمات بالاديو لوجود أجنحة على جانبي رواق ذي أعمدة لمعبد كلاسيكي.. أن مثل هؤلاء المعماريين في إطار دراسة التاريخ الشامل للعمارة لابد وان يكن لهم نصيب في فكر وعقل ووجدان المهندسين الشباب في الخليج العربي إذ وجد أن ملامح حضارتهم الشخصية تأثرت إلى حد ما بعمالقة المعمار في البندقية: سانسوفينو (1486-1529) بالاديو ( 1508- 1580) وسكا موتزي ولونجينا (1604- 1675)، (..حينما يتحدثون عن مشاريعهم المعمارية فإنهم يؤكدون على النتيجة المنطقية لحيوية مزاج الناس..) ومن هذه النقطة انطلق د. مكية في تعامله مع الواقع الحضري هو وتلامذته وعلى رأسهم الدكتور خالد السلطاني الذي مر ببداية مماثلة لمسيرة أستاذه الفنية في المجال المعماري. وان جانبه الحظ وأدركته الظروف القاسية التي مرت بالعراق منذ عام 1963 ولحد ألان وهي جزء من طغيان السياسة على العوامل الثقافية والمعرفية والإبداعية.

ان بداية الدكتور خالد السلطاني لا تبتعد عن منطلقات د. مكية التقليدية في توجهه المعماري البغدادي وأفكاره الشابة عندما كان رئيس قسم العمارة في كلية الهندسة في جامعة بغداد عام 1959 في تكريس المناهج التدريسية واستحداث مقررات جديدة تخص العمارة الإسلامية، وقد مر د. السلطاني بنفس السياق فكان رئيس قسم العمارة في كلية الهندسة في جامعة بغداد أيضا ووضع تصورات منهجية جديدة كذلك مستخدما الموروث المعماري الثري منذ قرونخلت، مكرسا رؤاه المستحدثة في منجز معماري بارع ما زال في إطار منظومة معمارية تراثية تبني جسرا للمستقبل فهو رسام ومصمم ومعماري ومفكر في مجال التخطيط الحضري ويحمل الطموح إياه الذي حمله المعمار د. مكية والدكتور حسن فتحي وهما من أهم المعماريين العرب.

وكانت تجربة المعمار  حسن فتحي    في بناء  مساكن نموذجية للفلاحين في قرية " بهتيم "، تجربة فريدة أثارت اهتماما واسعا لأنها تضمنت تصاميم  تعكس اهتمامه وعنايته الخاصة بمعيشة وسلامة الفلاحين  ومراعاة الأسباب الصحية والإنسانية .
و كان على المعمار والمهندس ومخططي المشاريع  أن يجدوا حلا فنيا تقنيا معماريا للحيلولة دون رفض الفلاحين صيغة عزل الماشية  عن أمكنة معيشتهم اليومية ، وأن  يشبعوا  مشاريعهم المعمارية دراسة،  وأن يفكروا بدوام حال المباني الطينية ومقاومة قساوة البيئة والمناخ وصفات وظروف الطبيعة وعوامل التعرية والتآكل لجدران وركائز المساكن الطينية التي تصدعت فيما بعد لغياب حسابات قدرة  المواد الانشائية على التحمل والمقاومة والصمود. ولم يفطنوا آنذاك إلى استلهام  فكرة الأسقف بالقبة والقبو التي استخدمها النوبيون من قبل . وفي عام 1946 أن وجدوا  الحل الأوفق  في فكرة  عمارة الطين التي أبدع ملامحها  المعمار  المتميز حسن فتحي في بناء  قرية كاملة غرب مدينة الأقصر لينتقل إليها أهالي " القرنة "... وارتفعت أعمدة المباني العامة : المسجد، والمسرح، والسوق، ومعرض لمنتجات القرية، ومدرسة للبنين، وحظيرة المواشي الجماعية، وعدد من المرافق الأخرى، وحول منطقة المرافق تمت إقامة جزء من المباني السكنية... ولكن الظروف السياسية بعد عام 1952 قد أسهمت بعرقلة المشروع الذي أراد به المعمار أن يبرهن على وجود آية ان يصبح الحلم حقيقة..   فأمست مهجورة ثلاثين حولا ثقيلا من عجاف السنين. وكانت، جماليا، أقرب إلى قطعة موسيقية عذبة منها إلى قرية ريفية، تسكن في ضمير الحلم .. وهذا ماجسده  في كتابه " القرنة.. قصة قريتين " الذي طبع فيما بعد تحت اسم " البناء للفقراء " .

وفي مجال تاكيد دور الكتابة والزخرفة في المعمار الحديث، فقد أصبحت الكتابة والزخرفة من العناصر المهة في هيكلية العمارة الحديثة، فهي من أكثر الفنون ارتباطا بحياة الفرد والذاكرة والعقيدة والأسرة التي تشكل بنية المنظومة الاجتماعية، وتعكس ذائقتها نوعية ومستوى وضعه الاقتصادي ودرجة تقدمه العلمي والثقافي، بحثا عن  مواقف ورؤية متقدمة بالعمارة الحديثة وأشكالها وخصائصها ، وتنوع دورها الوظيفي وملاءمتها للقيم الاجتماعية والجمالية والتحولات  العلمية والتقنية التي ساعدت على إنشاء مجتمع المعلومات العالمي الجديد، تواصلا متقدما وسريعا مع تحولات العصر الحديث. وتظل العمارة الحديثة خاضعة لعوامل اختلاف المواد واختلاف المؤثرات. القائمة بين  جوهر المشكلات المتفاقمة  بين  المعماريين والرسامين والخطاطين والمهندسين المهنيين وعلماء الاجتماع والجغرافيين والبنيويين ، و النخب السياسية الحاكمة التي تفرض بسطوتها  ذائقتها الخاصة  في تحديد اشكا ل وطرز العمارة التي ستسود طيلة وجودهم المؤثر. بينما ستفرض فنون عمارة ما بعد الحداثة حضور عامل القيمة الوظيفي والجمالي، ويعبر عنها بروح وقيمة المستقبل الحضارية. ضمن  تيار ما بعد الحداثة

*- هامش – انطباعات  مقتبسة عن كاتلوك البينالي الذي أقيم  في مدينة البندقية( فينسيا) لدى افتتاح الدورة التاسعة لبينالى العمارة العالمي. و عن المعرض كتب الفنان موسى الخميسي موضوعا نشره في موقعه الخاص.

 

8 –  تعشيق فنون الخزف والنحت الفخاري والحفر والملصق ألحائطي وفن الجداريات بالخطوط العربية:

هل تستكمل فنون الخزف والنحت الفخاري والحفر والملصق ألجداري وفن الجداريات قيمتها الشكلية باستلهام ثراء وتنوع الحرف العربي في مضامينها ؟

نعم . ظهرت تجارب مهمةفي مختلف وسائل التعبير الفنية تعبرعن ذلك . كما أسماء فاعلة في فن الخزف أبرزها في مصر. الفنانة المبدعة فاطمة مدكور والسيد محمد السيد وجمال الدين احمد وعبد الله عبدو وجمال حنفي وزينب محمد سالم وسمير صدقي موسى وسيد عبد الرحمن خليل وعبد الغني النبوي الشال وعلي محمود عبد الحميد الاعصر وعمر عبد العزيز كامل وفؤاد نجيب وليلى السندوسي ومتولي الدسوقي ومحمد عجاج ومحمد الشعراوي ومحمد انور حسن محيي الدين ومحمد الفولى معوض خلل ونصر مصطفى السيد.. وظهر في فن الخزف في الأردن الفنان محمود طه وحازم الزعبي وتادرس ومحمد السيد..

وفي العراق: سعد شاكر وطارق إبراهيم وسهام السعودي وعبلة العزاوي وماهر السامرائي وشنيار عبد الله وفيصل السعدي وسلام عطا صبري وتركي حسين ويحيي رشيد واحمد الانصاري وثامر الخفاجي وساجدة المشايخي.. وفي المغرب: ظهر عبد الرحمن رحول وموسى الزكاني إضافة إلى أعمالهم في التصوير والجدارات. وعدان من الجزائر وان كان أكثر إنتاجا في الجداريات المزججة أكثر من الخزف بمعناه الفني وهو اقرب في ذلك إلى ( غازي السعودي) بجدارياته المنتشرة في بغداد – واقربهما إلى فن عبد العزيز القرجي في تونس خلال جدارياته المتميزة.. وتلك الاسماء قد شغفت بإدخال الحرف والكتابة والنقش والزخرفة في اعمالهاالفنية على وفق تجربة المبدع منهم وصياغته الفنية واسلوبه ومضامينه.

إن قوة للحرف العربي جمالية وراء نجاح تجارب ( فن الخزف) تقود إلى بلورة الكثير من أساسيات الرسم والنحتالفخاري والرليف والبرليف والمدور  والجداريات  المزججة.. وتسعى كل تجربة شخصية في مجال خامتها إلى وحدة عناصرها المعمارية والشكلية والفكرية ومفرداتها الرؤيوية.. ولعل التداخلات التركيبية في العمل الفني هنا يتبلور وهو مزدوج الرموز والدلالات الصياغية. فالقيمة الزخرفية التي يضمها إناء منقوش بجواهرالكلم وبعيون الشعر العربي وبقداسة الآيات القرآنية،  تشكل مفردات الموضوع ودلالته، أما أبعاد الإناء فتشكل إطارا لمضمون القيم السامية للحرف العربي وجمالية القيمة الزخرفية..التي تتيح للأعمال حرية هي التصرف بأشكالها.. ويلعب اللون دورا رئيسا في التحف الخزفيةوالسيراميك بأنواعها.. إن التحولات الصياغية باتجاه جمالية الأشكال في فن الخزف جاءت نتيجة لبحوث ودراسات وصبوات تلقائية امتزجت بالروح أو الجوهر والعقيدة فاستلهمت منها تطلعاتها لخلق أشكال إبداعية، إذ كلما تنوعت وتعددت وتمايزت أساليب الزخرفية العربية الإسلامية في الخزف فإنها تبدع ( وحدات) جديدة في التعبير عن الجوهر العربي.. وقد انفردت خصائص الفن الإسلامي في الخزف في اعتمادها الكتابة العربية عنصرا زخرفيا يربط سائر العناصر التكميلية ضمن وحدة عامة. ومع هذا فان هناك خصوصية وطنية لكل قطر عربي له تجربة في هذا المضمار مما يدل على التنوع في الأسلوب الزخرفي يزيد من جلال المنطلقات والركائز الفلسفية التي استوحت منها هذه الأشكال قيمتها الفنية.. هذه الملاحظة سوف تعجل بنمو وحدة فنية تجمع الأساليب المختلفة في الوطن العربي وتحافظ في الوقت نفسه على الفرادة والشخصية المحلية.. وفي ( فن الخزف) تكمن أعمق الآمال في البحث عن الخصوصية القومية التي نسعى إلى تحقيقها في فنوننا وثقافتنا.. وستعجل بنمو أشكال إبداعية في محيط يشترك الفنانون العرب جميعا بتقديره وتقييمه.

 

لقد شاع بين ( الجرافيكيين العرب ) استلهام الحرف العربي في محفوراتهم بخطوات وئيدة  ولكنها نتاجات ثرية النوع وذات توجه تقني متقدم بمعالجات وادوات حديثة محض إلا في تجارب قليلة لدى ( حفارين) تميزوا برؤية وفلسفة وتقنية عن سائر الاتجاهات الشكلية الغربية وتجاربهم استطاعت أن توحد بين اتجاهين متناقضين في فن الحفر ينتميان إلى حضارتين متباعدتين ومختلفتين من حيث الانتماء الفلسفي: حضارة الغرب وحضارة الشرق، وخاصة الحضارة العربية الإسلامية. من هذا المنطلق يحاول الحفارون العرب الآخرون البحث في الشروط الثقافية التي تمايزت في فترات متباعدة من التاريخ العربي الإسلامي والتوقف عند مكوناتها الإبداعية لاستخلاص بعض القيم التي تتمازج في ذواتهم فتسبغ على المحاولة أو التجربة بعضا من روحها وتراثها الوطني وهو ما يساعد على نمو العمل الفني وفق شروط الإبداع. وتقع ضمن هذا الإطار أعمال المعلم المبدع الحسين فوزي( كمال عوض) وماهر رائف واحمد نوار وعز الدين نجيب و داوستاشي ( مصر) وفؤاد الفتيح ( اليمن) و مروان قصاب وغياث الاخرس ( سورية) والمعطي الداودي وأم البنين والمليحي وشبعة ولطيفة توجاني ( المغرب) وابراهيم الضحاك وابن مفتاح والهادي واللبان ( تونس) واحمد شبرين ومحمد عمر ( السودان) وغالب ناهي وفائق حسين وضياء العزاوي  ورافع الناصري وسامي حقي وهاشم الطويل ( العراق) ومصطفى الحلاج ( فلسطين) وموسى عبد الدايم ( لبنان)، وجمال عبد الرحيم من البحرين ويوسف أحمد من قطر وسيف العامري وعبد المجيد البلوشي (من عٌمان).. وحفارين جدد كثر ظهروا في أقطار الوطن العربي وسيتميزون في المستقبل..

ولكن السؤال الذي يضغط بإلحاح: هل تشكل محاولات الحفارين العرب، ملمحا من ملامح الفن العربيالاسلامي بالنسبة للذين أدخلوا واستلهموا الحرف والجملة العربية في أعمالهم؟ ؟ إن حيوية الفن التشكيلي في الوطن العربي هي التي ينبغي أن تدرس من جوانبها كافة: طبيعتها، مكوناتها، ظواهرها، اتكاءاتها، ومفرداتها وتواصلها مع تحولات تقنية سريعة في عالم دائب على التغيير.

(كان فن المنمنمات) يمثل  نوعا من التعبيرية المختزلة ، أقترنت صياغاتها ومعالجاتها بالفنون التصويرية التي طرقت عدة مواضيع أدبية وعلمية واجتماعية   وتعود أقدم الأمثلة المرسومة على الورق الى أواخر الفترة العباسية والفاطمية ،في القرن الثاني عشر الميلادي. فقد تميز فن الواسطي بتصوير روح الموضوع بدلالات الريادة، وليس كما وجدناه في  رسومات المستشرقين التي صورت من خارج روح الحياة الإسلامية. إذ تعامل الو اسطي في تصوير الحياة الواقعية و نقل لنا صورالتقاليد والعادات في الحياة الاجتماعية بأمانة قبل إضمحلالها وزوالها. كما حدث ان تاثرت كذلك القصص الحكائية الشفاهية ومسرح العرائس وخيال الظل (القرقوز) الذي عكس عقلية ونشاط المجتمعات الإسلامية، والقصص الأسطورية  لآبي زيد الهلالي وعنترة وبعد ذلك بيبرس المملوكي وكان للعمارة نصيب مهم جدير بالمتابعة، لا سيما وأن عمائر المدن الباقية من تلك الحقبة قد درست وبادت وبذلك يمكن أن تسعفنا المنمنمات في رسم صورة تقريبية لطرز البناء والمعالجات المعمارية وأساليب التمثيل والتناسب المعماري وكذلك مواد البناء المستعملة ،وبعض طرق البناء .

و كان للون في المنمنمات دور جمالي وتعبيري ورمزي ووجداني مرتبط بالتقاليد والأعراف الاجتماعية الراسخة لكل أقليم إسلامي،و التي تأخذ منحى فلسفيا في العادة .وقد أنعكس في  اللون المختزل المبسط في اقتصاده علاقة المكان مع ما يحيطه من أجزاء بنائية . وبدت  المنمنمة وكأنها  زاخرة بعدد كبير من الألوان.. كما ان للخطوط فلسفة معمارية مرتبطة بالزمان والمكان معاً فحركة النقطة من مكانها تشكل خطاً هو حقيقة زمانية-مكانية فهي مستقيمة في السقيفة لمباشرتها أو منحنية كما حال العقود والقباب وإيقاعا تكامليا روحيا كما في خطوط الكتابة والمعالجات الزخرفية أو الشرفات أو نسقيا كما في المقرنصات..وربما يبدوا عنيفاً في الكوابيل وبعض العقود والطاقات (الستارية) والقباب السلجوقية المقرنصة أو التيمورية الباسقة أو المغولية الهندية الصرحية .

و كان مقياس الرسم في المنمنمات عادة ما يستخدم بحذق، ليعكس لنا حالة انطباعية اكثر مما هي واقعية عن الأبعاد والمسافات ويهبنا صورة عن الأبعاد الثنائية اكثر مما للثلاثية من نصيب حيث إن ضمور  مفهوم المنظور كان منطقياً ،ولم يكن قد سبق وطُرق ذلك الضرب من عملية الإظهار في الرسم في ذلك الزمان حتى حلول عصر النهضة في أوربا وظهرت في المنمنمات التركية المتأخرة ،ولكنه في مدرسة بغداد وما تبعها جاء تشبيهيا  من خلال إشراك الواجهات والأجناب والأسقف في الصورة نفسها و تمثيل الأشكال فيها بالطريقة التي تشعر الرائي بوجود الأبعاد الثلاثة من خلال الخطوط ومساحاتها المجردة وكذلك الألوان ودرجاتها بحيث لا يخضع دائماً للمنظور الحسي المألوف بقدر ما هو يعتمد على الإحساس النسبي الموحي بالعمق.   وربما ظهر ذلك في  أسلوب الفنان الإنطباعي الفرنسي بول (سيزان- 1839-1906) الذي ظهر في أواخر  القرن التاسع عشر مجدداً باستخدام درجات حرارة اللون المختلفة للإيحاء بالأبعاد والأستدارات . إذ لا يستهان بالجانب الشكلي لاستخدام المستطيل والدائرة والمربع والمثلث التي تغني الرائي على تبين الرسم واستجلائه، ناهيك عن رمزية وروحانية كل شكل من الأشكال ، بحيث يمك الاستفادة من التلاعب بألوان المسطحات وكذلك من النسب الجمالية المعروفة اليوم  ( بالنسبة الذهبية)، التي نجدها مجسدة في كثير من أجزاء المنمنمات عن قصد يعكس تأثر الفنانين بناموس الطبيعة الجمالي . فلنأخذ مثلاً ارتفاع الفضاءات المعمارية متناسبة مع طول قاعدتها أو طول العقود(نسبها الداخلية) بالمقارنة مع نسب السقوف والشرفات وما يعلوها من غطاءات سناميه (نسبها الداخلية في القاعدة-البدن-التاج) وكذلك في نسبها مع العقود التي فوقها  في تجسيد الجمال مع عدم إهمال التأثيرات التي سبقت ظهور الاسلام ونذكر بالخصوص المصرية والشامية و اليونانية .

لقد كرست أغلب المنمنمات، الانتماء الطبقي في  تصوير الجانب الاجتماعي للطراز المعماري، من خلال أجواء المقامة ، فمثلا حاول الواسطي إظهارها  في بهرج البناء أو زهده منعكساً على المعالجات الزخرفية وطراز الأثاث ومستلزمات المنزل ناهيك عن طبيعة مواد البناء المستعملة، وبذلك يمكن رصد الحالة العمرانية للمجتمعات الإسلامية.  وقد توسعت دائرة تنفيذ المنمنمات في العالم الإسلامي وظهرت مدارس فنية مختلفة، الأذواق ،بحسب مصادر التاثيرات والموروث المحلي. ..  فهل يمكن تنسيب فن المنمنمات الى تأثيرات هيلينية (يونانية) وبيزنطية، كما راق لبعض باحثي الفن المستشرقين، أم الى جذور فنون وادي الرافدين، أم الى المنابت الإسلامية؟. لقد أشار الدكتور المعمار علي ثويني إلى أن فنون المنمنمات شهدت تطورا تراكميا خلال تعاقب الحقب التاريخية في العراق القديم، فبلغت الذروة في رسومات الداعية (ماني البابلي) (الذي ولد في بابل 216م) .وكان مصدر  كلمة " منمنمة " العربي قد ورد من أسم (ماني) نفسه في ثنايا نصوص كتابه (ماني نامه) الذي دونه بالآرامية لغة ماني  وأهل العراق والشام قبل الفتح الإسلامي  ليصيح بصيغة (منمنمة) التي وردت الى العربية من ضمن ما ورثته من الآرامية. ولهذا السبب لايتوفر للكلمة سند ومصدر من صلب اللغة، ولا يشيع للكلمة معنى دقيق ، ولكن معناها في اللغة و اللهجات الدارجة يعني الشئ الدقيق المزوق، ذا الملامح المصغرة .

لقد ظهرت عدة  مدارس للرسوم والخطوط العربية والاسلامية، تبلورت عنها اتجاهات أساسية تعاملت مع المنمنمات وتركت بصماتها عليها، وهي: مدرسة بغداد للتصوير (القرن السابع الهجري- الثالث عشر الميلادي)، و أستمرت حتى بعيد سقوط بغداد عام 1258. وكانت الأكثر دلالة في تمثيل القصص  وكتب الطب والنبات والطبيعة و في تزويق وتذهيب واختيار انواع خطوط كتابة النصوص كما في المقامات وفي مؤلفات موسوعية كعجائب المخلوقات للقزويني. و أقدمها الموجودة اليوم في القاهرة كتب في البيطرة 605هـ-1209م رسمه علي بن حسن هبة الله وورد اسم عبدالله بن الفضل في مخطوطة تعود للعام 1222م ، ووأهمها وأكثرها شهرة مقامات الحريري ليحيى الواسطي عام 1237م. وقد استقرت تسميتها على مدرسة بغداد على اساس ما كان لبغداد من قيمه حضارية فى تلك المرحلة من التاريخ التى تمتد ما بين القرنين السادس والثامن للهجرة 1200-1400 م وما يزال بعض المؤرخين من المستشرقين ميالين الى تسميتها بمدرسة ما بين النهرين او المدرسة السلجوقية او المدرسة العباسية ولكل واحد  منهم  حجة على تسميته. ومنهم من يقول بأن اصول هذه المدرسة تعود الى إيران أو الصين. إلا ان ما يرد لديهم من حجج لايمكن إعتماده دليلا كافيا على ذلك ويرد الدكتور زكى محمد حسن فى كتابه "مدرسة بغداد فى التصوير الاسلامي "على "م. ساكسيان " بقوله:"ولكن ليس ثمة دليل على أن ايران عرفت فى العصر اسلوبا فنيا فى التصوير يخالف ما عرف فى بغداد فضلا عن أن المجموعة المحفوظة فى استانبول والتى احتج بها ساكسيان لايمكن نسبتها الى ما قبل العصر المغولى بل انه يؤكد فى ذات الدراسة على "ان تزويق المخطوطات بالتصاوير وتزيينها بالاصباغ البراقة فن حملت بغداد لواءه فى القرنين السادس والسابع الهجريين ولكنه ازدهر فى مراكز اخرى من ديار الاسلام فعرفته الموصل والكوفة وواسط وغيرها من بلاد الرافدين, كما امتد الى ايران ومصر والشام بل امتد تأثيره الى الرسوم الحائطية الاسلامية فى ، البرطل بقصر الحمراء فى غرناطة والى بعض المخطوطات العربية فى الاندلس ". ويمكن تلمس قدم تلك المدرسة من تشابه ملامح الرسومات الجدارية الأولى في قصرعمره وقصور سامراء ،وربما يعودالى أقدم من ذلك من جذور بابلية، درست ،أو سوف تكشف الأيام عنها لاحقا . لقد ظهر إلى جانب أولئك الخطاطين فنانو تزويق وتصحيف وتذهيب وتصوير الكتب والنصوص العربية والاسلامية، كما كان مع كمال الدين بهزاد وابن عزيز وعلي بن حسن هبة الله و عبد الله بن الفضل والواسطي:  وهو يحيى بن محمود بن يحيى بن أبي الحسن كرويها الواسطي، ولد في واسط في العراق بداية القرن الثالث عشر الميلادي وعمل رساما لدى الخليفة المستنصر باللة العباسي ما بين 1242م – 1258  -وزوق اكثر من نسخة من مقامات الحريري وغيرها من امهات الكتب العربية , ويعتبر من أشهر  مصوري المنمنمات البغدادية ذوات الخصوصية الاجتماعية التي أظهرت التشخيصية المبسطة في اطار  فن شخصي إشاري، بدلا من الخضوع فقط الى القواعد والاصول الفنية التقليدية ,, وبحكم علاقته الثقافية بمعاصريه من مفكري جيله امثال المؤرخ ابن الاثير والعالم ابن الرزار الجزري  والجغرافي ياقوت الحموي.. استطاع ان يبلور ملامح فنه من تزاوج تجارب الفنانين الآخرين في مختلف البلدان كفارس والهند والصين، شرق العراق وكتجارب فناني الشام ومصر والمغرب، لأنه كان مدركا للمعرفة اللازمة لفنه واسع الاطلاع، وقد ساعده وعيه الاجتماعي والثقافي، على ترجمة الصور الذهنية الى واقع مرئي عبراللون والخط والبناء والمعمار الفني الخاص بشخصيته التعبيرية المتميزة بين مصوري المخطوطات والمنمنمات في العالم، وكان قد عثر على نص يوضح  أنه  فرغ منها يوم 3 آذار(مارس) 1237 م  634 هـ، على مجلد يتألف من 167 صفحة بمقاس 37×28 سم ،هو اليوم في متحف اللوفر في باريس. ويعتبر اسم يحيى الو اسطي استثناء في الإمضاء على مصوراته المصغرة والذي لم نلتق ما يماثله في ذلك من مدرسة بغداد في الرسم إلا ما ندر . وكان من ابرز خصائص مدرسة بغداد للتصوير، جنوح فنانيها الى عدم الاهتمام بالطبيعة على الشكل الذى برزت فيه فى الصور التى رسمها فنانو الشرق الاقصى وعدم عنايتهم بالنزعة التشريحية او التقيد بالنسب الخارجية للاشكال المرسومة كالتى سعى الى تأكيدها الفنان الاغريقى. بل  كانت رسوم مدرسة بغداد تميل الى التسطيح والمنظور الجوي ذي  البعدين الطول× العرض.  اما العمق او البعد الثالث، فلم يظهر الاهتمام به إلا في القرن التاسع الهجري.  وقد اضمحلت تلك المدرسة ثم درست خلال حكم الترك في القرون الاربعة الأخيرة، وانقطع ذكرها. وقد جرت محاولات لإحيائها في القرن العشرين على يد  الفنان العراقي جواد سليم..

و شملت المدرسة المصرية، مصر والشام ونضجت مميزاتها حتى قيام الايوبيين بتبنيهم خطا فقهيا سلفيا آخر في التعامل مع الفنون . وأنتقلت المحاولة المصرية من المنمنمات الى الخزف الذي نقل لنا أمكانيات بعض معلميه ممن تركوا أسمائهم على الاطباق مثل( مسلم وسعد وغيبي بن التبريزي وشرف الأبواني) ، وكلها باقية تتوزع على متاحف العالم وتشهد لنا اليوم على مهارة فريدة. وربما كان مصيرهم مثل إخوانهم في بغداد  بعد تردي أحوالهم بأن شدوا الرحال الى بلدان أخرى في الشرق و استقروا في مدن بدأ يلمع بريقها مثل تبريز وسمرقند وهيرات وبخارى في آسيا الوسطى ،ثم دلهي وأكرا وحيدرأباد في الهند والتي شهدت على ولادة مدارس جديدة واستمرار لفن المنمنمات .  بينما ورثت المدرسة الإيرانية المغولية (القرن 8 هـ 13-14م) الكثير من سمات  مدرسة بغداد و( .. استفادت من هروب الفنانين أو هجرتهم بعد خراب بغداد، ولاسيما في العهود الجلائرية والإيلخانية والتيمورية والصفوية .ومن خصوصياتها أنها شملت بعض التأثيرات الواقعية في المناظر الواردة من الرسم الصيني،وأقدمها نسخة من منافع الحيوان لإبن بختيشوع موجودة في نيويورك،وكذلك جوامع التاريخ للوزير رشيد الدين أقدمها يعود لعام 707هـ-1307م  موجودة في لندن ،والمتضمنة تاريخ السلاطين المغول والإيلخانيين في تبريز وسمرقند..) كذلك تطورت المدرسة التيمورية في آسيا الوسطى (القرن 9هـ-15م) ، (.. إبان فترة تيمورلنك في مدن تبريز وسمرقند وهيرات ،بعد أن حمل معه قسرا الرسامين من الشام والعراق عام 1403م. ومن أهم مصوريها أمير شاهي وغياث الدين ،وأكثر إنتاجهم كان في تصوير الشاهنامة وشعر الغزل والصوفي لمشاهير فارس كنظامي وسعدي والخيام.) وبقيت  المدرسة الإيرانية الصفوية الأكثر شهرة ،وظن الأوربيون أنها الأساس . (.. وأستمرت تمارس حتى يومنا هذا ،حيث أضفت عليها الحداثة تاثيرات نوعية لم تلغي نفحات رومانسية ميزتها عن المدارس الاخرى. حين تذكر أخبار الشاه عباس الثاني أنه أرسل فنانه الخاص محمد زمان في بعثة دراسية إلى إيطاليا، فدرس الفن على أيدي الإيطاليين والهولنديين وعاد ليغير في قواعد المنمنمات الإسلامية تغييرا طفيفا،  وأهم بقاياها تصوير الشاهنامة للفردوسي.)

وكانت المدرسة الأفغانية  التي تسمى كذلك مدرسة بهزاد و (.. تنتسب الى كمال الدين بهزاد الذي لقب بمعجزة العصر الفنية في مدينة هيرات ،بما ادخله على رسم المنمنمات من جزيل التطوير ولاسيما في التعبير النفسي والإنطباعي والتقني ولاسيما في خلط الألوان..)أما  مدرسة بخارى (القرن 10هـ-16م) (.. فقد تأثرت بالمدرسة التيمورية وبخاصة  من بهزاد وتلاميذه،وكثرت بها الموضوعات العاطفية والشاعرية. ) في حين أستمدت المدرسة التركية، بداياتها من الشرق الإسلامي وسمت خلال عهد سليمان القانوني في القرن السادس عشر ونجد من أهم ما تركته المنمنمات التي رافقت كتاب زبدة التواريخ لمؤلفها سيد لقمان عاشوري وهذا الكتاب يطنب في التّأريخِ العالميِ السّياسيِ متضمنا اساطير تّوراتيةِ ومرفقا بقصص الأنبياءِ وأحداث الماضيِ،وردت من مصادر متفرقة ،يسهب خلالها بالتّأريخ التّركي خاصة حتى ورود  السّلطانِ مراد الثالث، بعد حقبة السلاطين العُثمانيين الإثنا عشرَ الأوائل ِ.   وقد كرست للحديث عن مناقب السلطان مراد الثالث ،وكتبت عام 1583 وأحتوى الكتاب على أربعين رسما ،موجودة اليوم في متحف الفنون الإسلامية في أسطنبول. ثم حدث ان  أنقلبت هذه المدرسة متأثرة بفناني عصر النهضة الإيطالي ،من الذين أغرتهم عطايا السلاطين ،كما في صور السلطان محمد الفاتح للمصور جنتيلي بلليني عام 1480م. وشملت كذلك  بعض نتاجات الفنانين الأتراك ، وتطورت متاثرة بفنون الرسم الاوربية. ثم أختفت لاحقا ..) وعاصرت المدرسة المغولية الهندية وجود المغول في الهند. ( .. وسبق للهند أن عرفت المنمنمات والرسم على الورق بدلا من أوراق سعف النخيل مع ورود الإسلام الى تلك البلاد ،وخاصة منذ القرن العاشر الميلادي. وتطور هذا الفن تصاعديا حتى ورده الدفق الكبير خلال ورود المغول عام 1523 على يد بابر،حاملا معه كثير من فنون آسيا الوسطى. وقد اهتم الهنود خلال تلك الفترة بتصوير المتصوفين والنساك الهنود وهم يحاورون الملوك وخاصة القوم. وقد استمد جذوره من الشرق،ولاسيما من هيرات وآسيا الوسطى نظرا لإنحدار بابر أول سلاطينهم من تلك الأصقاع ،وبقي حنينا الى فنونها ،كما يرد في كتابه (بابر نامه) التي شرح به موقفه من العمارة والفنون. ومن أجمل آثارهم المخطوطة  التي تصور قصة حمزة عم النبي (ص)،بشكل مبالغ فيه عن القصة الحقيقية وأقترنت ببعض الاساطير الشرقية.  وتقع تلك في  مخطوطة احتوت على 1400 صورة واستغرق رسمها حوالى 20 سنة، (1556 -1575 م) ، وقام برسم معظم لوحاتها اثنان من كبار الفنانين المسلمين الهنود هما "سيد علي " و"عبد الصمد". وهنا لا بد من ذكر أن فن التصوير الهندي الإسلامي بالمحصلة كان متأثرا بفن مدرسة بغداد، مسترسلة حتى مدرسة بهزاد.وفي العهود المتأخرة تأثرت ببعض الإستعارات الأوروبية المستمدة من صور النهضة التي جلبها البرتغاليون و الهولنديون والانكليز .وقد اثرت تباعا في فنون أوربا ولاسيما من خلال التجارة، ونجد آثارها في لوحات  الهولندي رمبرانت (1606-1669)،الذي استوحى منها بعض موضوعاته ، و أتصف وحده دون سائر المصورين الذي طرقوا مواضيع إستشراقية ، بميزة الإحساس الدفين بتوقير الشرق وإجلاله. ولقد مهدت أسباب سياسية واقتصادية لأوربا أن تقع على التصاوير المغولية بالهند، و تنال إعجابها. وكان رمبرانت أول من أعجب بهذا الفن، و إذا هو يقتني بعض تلك المنمنمات، ثم قام بنقلها ما بين عامي 1654 و 1656، وتحتفظ المتاحف الآن بعشرين منها، كما ضمّن بعض لوحاته جانبا من عناصرالمنمنمات بعد أن مزجها بأسلوبه، مضيفا من تقنيته : الظل والنور.. وبقيت المدرسة الهندية تحتفظ ببعض ملامحها الاصلية حتى يومنا هذا، على عكس بقية المدارس التي اندرست مع تقادم الزمن. .) بينما تفردت . المدرسة الأندلسية. وهي متفردة عن المغرب العربي الذي لم تنشا به مدارس منمنمات تركت أثرا معينا. و تواكبت هذه مع تطورها في المشرق الإسلامي وقد أثرت تباعا في فنون المنمنمات الأوربية وبقيت آثارها حتى بعد سقوط الأندلس ،وحلول فنون "المستعربين". وكانت  قد تأسست في شمال الأندلس بدير من الأديرة مدرسة للنساخ يتعلمون فيها الخط والرسم و التوريق. وكان لهذه المدرسة تأثير بليغ في الحركة الفنية في أسبانيا ،ومنها مخطوطة لـ (بياتوس) في (سفر الرؤيا ) . وقد أخذت مدرسة أشبيلية عن فن المنمنمات الشئ الكثير وموهته بالألوان القاتمة والأساليب المحلية. وفي مقدمة المصورين يأتي (موريليو) و(بنشيقو) و(زباران) ونبغوا في القرن السابع عشر . ولم تستمر هذه المدرسة بعد سقوط الأندلس،ولكنها أثرت في فناني أوربا. - * - هامش - على وفق ما يراه الدكتور المعمار علي ثويني في سياق وتضاعيف  دراساته الكثيرة.

9 - الخطاطون والمزخرفون والحروفيون في الرسم والحفر والنحت والفخار والخزف

قدم الاسلام نظاما كليا عني بالجسد وبالروح تكامليا، وأدى دورهفي حياة الفرد والمجتمع ، وأسس رؤية شاملة للحياة. نشأ عن عن ذلك نسق الفن العربي الاسلامي، ووضح عمق الايمان وأثر العقيدة التوحيدية في جميع الموضوعات الفنية التي أنتجها الفنان المسلم، وهضم الفنان أنماط الفن الآسيوية والأفريقية والأوربية وتمثلها وأعاد انتاجها بروح جديدة خاصة به . لقد أخذت الكتابة العربية مكانها اللائق في نسيج ومعمار الفن الاسلامي بله عناصر الزخرفة المتناظرة وأشكال الوحدات ( الموتيفات ) الخطية الهندسية المتقابلة المتكررة.. وبعد أن استقرت وتوطدت دعائم الدولة الاسلامية، لمعت اسماء بارزة في تاريخ فن الخطوط العربية والزخرفة الاسلامية في أمصار المسلمين ومن بينهم الخطاط هاشم محمد البغدادي..وكان علما بارزا من اعلام الخط العربي في العراق وفي العالم العربي والاسلامي. ولد في مدينة بغداد في الرابع والعشرين من نوفمبر عام  1921م. وأخذ الخط عن الاستاذين الملا عارف الشيخلي والحاج علي صابر وأخذ أول اجازة في الخط العربي عام 1943 من الاستاذ الملا عارف الشيخلي وعمل خطاطا مستخدما في مديرية المساحة العامة والتقى هناك بحكم عمله مع الخطاطين امثال صبري الهلالي وعبدالكريم رفعت. وسافر الى مصر فقدم الى الامتحان في القاهرة عن طريق مدرسة تحسين الخطوط في الاسكندرية وبواسطة محمد ابراهيم وقد حصل على الدبلوم بدرجة امتياز في سنة 1945 واتصل اثناء تواجده في مصر بالخطاط المشهور حســــــني والخطاط سيد ابراهيم فاجازه اجازة تامة في انواع الخطوط. وقد اجازه الاستاذ حــــــــامد الامدي مرتين. وله من الاثار الفنية الفريدة وخاصة الخطوط النفيسة على مسكوكات الجمهورية العراقية والتونسية والليبية والسودانية والمغربية , وكتابة الخطوط الجميلة في عدد من جوامع بغـــــــداد لعل اخرها كان جامع الحاج محمود (بنية) وجامع الخلفاء. ولقد اصدر كراسته الفربدة ( قواعد الخط العربي ) سنة 1961- وكانت امكانياته المبتكرة في الزخرفة فريدة، وخاصة في لوحته التي تضم انواعا متعـددة من الخطوط العربية والموجودة في متحف الفنانبن الرواد وسافر الى المانيا سنة 1967 وسنة 1970 موفدا من قبل وزارة الاوقاف للاشراف على طبع المصحف الشريف.. تخرج على يديه عدد من الخطاطين: منهم , عبدالغني العاني, صادق الدوري وصلاح شيرزاد وغيرهم كثير. تمتع بقدرات فنية عالية على اجادة الخطوط العربية وضبطها وادائها بشكل متقن واستطاع بجهده ان يعيد لبغداد مجدها العالي في الخط العربي والزخرفة الاسلامية وكان يتمتع بذهنية مبدعة ومبتكرة في ايجاد تكوينات زخرفية مؤثرة في الخطوط العربية..وإذا نظرنا إلى نموذج من خطه: ومضمونه: (الحمد لله وحده) بخط الديواني، نلاحظ في هذا التكوين القدرة الابتكارية لدى الخطاط, وقد استفاد من الانحناءات والاقواس وبالغ فيها بصورة محببة ومعقولة ليحدث تناظرا فريدا من نوعه , ويشمل التكوين على ثلاث حلقات متتابعة فيظهر في التكوين كتلة وسطية كبيرة الى جانبها كتلتان صغيرتان بانسجام واتساق تام.وقد ظهرت تأثيراته المتجددة وهي تحمل قبسا من فرادة مدرسة بغداد الخطية، فتجسدت في ما أنتجه تلامذته الخطاطون في تجاربهم اللاحقة وفي مفاهيمهم النظرية عن الخط العربي والزخرفة التي تميز بلمستهاالفريدة (قنديل الخط العربي) هاشم محمد البغدادي. فأقموا له مهرجانا تكريميا في المركز العراقي في لندن ، شارك فيه  أفراد من أجيال مختلفة من الخطاطين الرواد والشباب، أمثال  د. سلمان ابراهيمووليد الاعظميومهدي الجبوري وغالب صبري الهلالي وصادق الدوري ويوسف ذو النون ومحمود شكر الجبوري  وحميد السعدي وعبد الحكيم الحلبي ومحمد حسين ماقلي وابراهيم الزهاوي وعباس البغدادي وطارق العزاوي  وطه البستاني وسعد المساري  وعلي الجنابي  وجاسم الدليمي ومهدي ويسين نصيف. وأخذ هؤلاء الخطاطون المتميزون، عن استاذهم الطرائق التجديدية آنذاك ، إذ بدأ بتعليمه الخطللعبارات بدلا من خط الحروف، وتعززذلك بفتحفرع الخط العربيوالزخرفة الاسلامية في معهد الفنون الجميلة وأصدركراسة الخط المعروفة: ( قواعد الخط العربي )، فكانت حدثا مفصليافي تاريخ فن الخط  العربي في العراق. إذ قدمت (كراسته الشهيرة) للأجيال اللاحقة، قواعدالخط وفنونه الجميلة.  توفاه الله يوم الاثنين، في الثلاثين من ابريل- نيسان عام  1973 - ودفن في بغداد. ومن تلامذته الخطاط البارع محمد سعيد الصكار الذي  وصف لحظة تأمل عاشها  في بداية عمله الفني قائلا: (كنت في عام 1946  طالباً في الصف الثاني الابتدائي في مدينة الخالص التي تقع علي مسافة 50 كم شمال شرقي بغداد، شاهدت كلمة رانية مخطوطة علي باب أحد الدكاكين بخط الرقعة وهو أبسط أنواع الخطوط. كان الباب مصنوعاً من حديد أكله الصدأ، وملوثاً بالغبار. هذه الكلمة بهرتني، وحفزتني لأن أكون خطاطاً...).
 كيف أتقن الصكار قوانين الخط العربي، وشروطه؟ وكيف طور
تجربته؟ قد نجد بعض سمات أجوبة الصكار من خلال اهتمامه  بتجربة الفنان المرحوم هاشم الخطاط، و الفنان البارع عماد الحسني الذي وصفه المتخصصون بأنه أحسن يد أمسكت قلماً في الخط الفارسي وأضاف الصكار..(.. بأنه كان محظوظاً لأنه حصل علي نسخة أصلية من خط الحسني  يخلو من الزخرفة التي قد تفقد الخط بعضاً من هيبته ورونقه الفنيين. ونسخة من المصحف الشريف كان البواب قد خطها بيده مصورة تصويراً متقناً عن مصحف ابن البواب. وهي النسخة الوحيدة التي وصلتنا كاملة وسالمة عن ابن البواب الذي يعد واحداً من عمالقة الخط العربي في القرن الرابع الهجري. ومن الناحية الفنية فقد أشار الصكار الي الزخرفة المتقنة لهذه النسخة، فضلاً عن خطها المتوازن الذي لم يرتبك منذ بداية المصحف الي نهايته، فابن البواب هو الذي ابتكر 13 خطاً عربياً لم يكن موجوداً من قبل في تاريخ الخط. والصكار نفسه ابتكر أيضاً أربعة خطوط غير موجودة من قبل. . ولدى الصكار صورة عن مصحف الخطاط الشهير ياقوت المستعصمي وهو آخر خطاطي بغداد الذين سلموا الخط العربي الي الأتراك.
يحتفظ الصكار بوثائق مهمة عن الخط العراقي، و(الخط البصري) و(خط  كوفي الخالص) نسبة الي بلدة الخالص التي رأي فيها كلمة رانية. وقد تحدث عن أبجدية الصكار الطباعية التي شغلت المستشرقين وكل من كتب عن فرضية الحروف الطباعية العربية الموصولة التي تعاني من تعدد أشكال الحرف العربي الواحد الذي يختلف اذا جاء في أول الكلمة عنه في وسطها أو في آخرها. وحينما نال براءة الاختراع من العراق ولبنان، ثم سجلت هذه البراءة في انكلترا وفرنسا.

لقد أظهر (الصكار) في الرسم والزخرفة والتزويق، السمات  اللونية الحادة بدرجاتها من اللون الأبيض إلى منظومة ألوان أخرى .. وتلك ميزة آتية من العالم الباطني .ز من مرحلة ال