|
مدار النقد |
|
د. صبيح كلش
تلقينا بمزيد من الأسى والألم رحيل الفنان العراقي الحبيب خضر جرجيس حيث وفاه الأجل المحتوم في الدنيمارك بتاريخ 29 / 8 / 2006، لقد كان الفنان مثالا للعطاء والإبداع اسكنه الله فسيح جناته والهم ذويه ومحبيه الصبر والسلوان .. إخوتي الأعزاء لقد فقدت العراق والحركة التشكيلية العراقية فنانا قديرا ومساهما فعالا قدم الكثير وترك أثرا طيبا ونتاج زاخرا. لقد عرف الفنان الراحل خضر جرجيس بأسلوب تجريدي مميز في الفن التشكيلي العراقي المعاصر ، تجريد غير مبهم لفضاءات ذات مدلول تحمل سيماء الصحراء والهور والجبل وجميع الأمكنة ، فيها رؤية بصرية ممتعة مشبعة بهواء العراق ،ورغم خصوصيتها الفنية المحلية فأن تلك الأعمال ترقى إلى مستوى لغة الحوار العالمية ، و من خلال الضربات الرقيقة بسكين الألوان الحاذقة على سطح اللوحة لمادة اللون الزيتي بعد مزجه بحس الفنان المرهف والذي يجسد به أجمل تعبير عن مكنونات الجمال في الطبيعة الربانيه ليضيف لها إبداعا فنيا جديدا ، ألوانه هادئة ومنسجمة كروحه التي عرفناه بها ( فنان مسالم هادئ رقيق خدم الوطن بكفاءته ، وساعد اصدقائة في المحن التي مر بها الوطن ، خدم الحركة الفنية التشكيلية سواء بإبداعه الفني أو بعمله كعضو هيئة بإدارة جميعه الفنانين العراقيين في العراق أو الدنيمارك ، وكان قد سخر متجره الصغير في منطقة العبخانه قرب شارع الرشيد لخدمة زملائه الفنانين بما وسع الله عليه ) ، لقد كانت ألوانه ذات هرمونية مشبعة بالمزج من ضغط السكين المتعمد وعن دراية لا تشوبها شائبة ، كان كثير التكرار ولكنه التكرار الغير ممل لعالمه وفضائاته . دائما يحتفظ بالمفاجىء مختزنا لنهاية اللوحة بسحبة لون جريء حار أحادي يبدد الغبش في تلك الهرمونية فيحيي المكان ويجدد فعاليته ، كنا نادرا ما نلاحظ الفنان يستخدم الفرشاة بأعماله ماعدا تلك الأعمال القديمة ، لقد ميزت حركة سكين الألوان رسوم الفنان وأبقت لوحاته خالدة أبدا ... ! فهنيئا لمن امتلكوا لوحاته .. وأدعو من المخلصين المهتمين بالتراث الفني العراقي في وزارة الثقافة العراقية الاهتمام بمجموعته الفنية بمركز الفنون سابقا وجمع ما تشتت منها هنا وهناك بين بغداد وعمان والمنافي البعيدة ، متمنيا أن لايهملها زمن المفخخات والدماء البريئة ،أن أعمال الفنان حملتها ذاكرة حزينة لأيام التجافي والبعاد الذي عاشه الفنان في سنيه الأخيرة ، وأنا من بعيد ومن زمان الغربة عن الوطن كنت أعيش الراحل الفنان خضر جرجيس وعايشته في بغداد في الزمن الصعب في جمعية التشكيليين ونقابة الفنانين وفهمت عن قرب شيئا لبعض لغته التشكيلية المعاصرة ،لقد عمل بصدق و بحس تجريدي ومنذ بداياته الأولى حين حاول أن يدخل في تكويناته الموروث الشعبي العراقي من ثيمات و زخارف وشناشيل محلية وكذلك الأثر العراقي مستفيدا من عبق التاريخ فوجد نفسه يعيش البيئة والمحيط ، ثم طرق باب التجريب مكررا المحاولة فعاش في فضائات التجريد مستندا على خلفية دراسية لمنظومة متكاملة في البحث المتواصل عن الأصول والغاية هو الجمال الفني الذي ازدانت به أعماله ، لقد كانت تجربة الراحل المبدع خضر جرجيس تجربة عالمية أسدل عليها التعتيم ستارة ..! ؟؟ و كغيرها من التجارب التشكيلية العراقية المتميزة...! الفنان / د . صبيح كلش مسقط / سلطنة عمان www.kalashart.com
|