مدار النقد

 

بعد الرسالة التي وصلتنا من زوجة الفنان الراحل محمد صبري الأخت الفنانة سعاد عبد العزيز المقيمة حاليا في السويد مالمو والتي تهيئ لنا بعض الوثائق والصور عن سيرة الفنان, تلقينا الرسالة التالية من الفنان حسن موسى احد تلامذة الفنان محمد صبري آملين من باقي أصدقائه وزملائه وتلاميذه تزويدنا بما يفيد في إكمال الملف الخاص بفناننا الراحل.

وموقع الفنان العراقي يشكر ويثمن استجابة الفنان حسن موسى لنداء جمع وثائق الفنان الراحل محمد صبري كونه احد تلامذته في الأكاديمية ـ بغداد للفترة بين 85 ـ 1991 وقد كتب لنا من واقع التجربة ومن خلال المعايشة المباشرة للفنان كصديق وأستاذ ترك أثره الكبير عليه وعلى عدد من زملائه, كذلك تطرقت الرسالة إلى بعض المعلومات الهامة التي تسلط الضوء على واقع الحركة التشكيلية للفترة المذكورة, وواقع العملية التدريسية في أكاديمية الفنون الجميلة آنذاك.

محمد فرادي

 

 

إلى الأستاذ والصديق الفنان محمد صبري

(( المفارقة الحزينة في الرثاء الأول))

كنت قد تلقيت خبر رحيل الفنان الجميل محمد صبري وأنا في عمان عام 1997 وبدلا من أن تصل رسالة العزاء تلك إلى عائلة المرحوم كانت المفاجئة أن يتسلمها الفنان نفسه معلقا على هذا النبأ بسخريته الخاصة وبكلماته العراقية التي يتداولها الأصدقاء، أن رسالتي تلك لم تكن نذير شؤم لان قلبه كان يتدفق حياة دوما وعيونه تلتمع وتبتهج في اصطياد الجمال وهكذا تواصلت لقاءاتنا لغاية مغادرتي عمان صوب أمريكا.

(( مرحلة الدراسة ))

تتلمذت على يد الفنان محمد صبري في السنوات بين 1985 – 1991 أي لغاية تخرجي من أكاديمية الفنون الجميلة, بين بعض تلك السنين لم يكن محمد صبري أستاذا مباشر لي, مع ذلك كنت اقضي معظم وقتي قريبا منه وفي قاعته.

كان قد نذر جهده ووقته للعمل أكثر من اهتمامه بنفسه وبذل الكثير ليوصلنا إلى حيث من المفروض أن نبدأ.

كان تربوي ناجح ومدرس مثابر وأخ وصديق وكان شديد الحرص على حمايتنا من كتلة النظام والوقوع في شباك الإغراءات الرخيصة المتمثلة في مشاريع الأعمال التزينية المسطحة, علمنا كيف نتجنب الكمائن بلا خسائر.. وكيف نحارب بلا رصاص.

(( جيلنا والحرب ))

لقد كان سوء حظنا أن تأتي فترة دراستنا متزامنة والحرب الحرب العراقية الإيرانية.. لقد تسببت تلك الحرب بقهر نفسي وأدت إلى دمار كامل لأجيال متعاقبة في العراق وكان لنا نصيب في ذلك كطلبة فن نتطلع إلى مستقبل أفضل ,حيث كان الإحساس بالموت واقتراب النهاية كلما تقدمت السنين واقتربنا إلى مرحلة التخرج, وطبعا ربما كنت محظوظا وبعض زملائي أن تكون سنة تخرجنا مع نهاية الحرب إضافة إلى كوننا قد تعمدنا الرسوب سنتين كي نبتعد بقدر ما نتمكن من هذا المصير المهلك. أما القدر الثاني الذي خفف علينا وطأة تلك السنوات خصوصا وقد صارت الكليات جزء لايتجزء من حالة الحرب التي دخلت كل مفاصل الحياة هو وجود الأستاذ زهير صاحب رئيسا لقسم الفنون التشكيلية.. ذلك الأستاذ المتقد حماسا وحيوية وهو يتابع كل مجريات أمور القسم وكافة حاجات الطلبة والسبل الكفيلة بالتطوير وإعادة أجواء الفن والإبداع وإشاعة روح المحبة التي حرمنا منها في الإدارات السابقة والتي كان أسوؤها فترة احمد العزاوي الذي كان بعيدا كليا عن هذا المجال إضافة إلى فقره المعرفي الواضح, في هذا الظرف الحرج منحياتنا الدراسية شكل وجود محمد صبري بمواصفاته كأستاذ يقدس عمله مع وجود زهير صاحب ايقاضا مدهشا لنا, فقد اتخذ محمد صبري طريقا مختلفا في التدريس منذ البدايات متمثلا بالعلاقة الحميمة مع كافة الطلاب وبالأخص المتميزين بغية إيصالهم إلى الاحترافية والاعتماد على النفس والارتقاء بإمكانياتهم وقدراتهم الفنية والثقافية

كان يدعونا أحيانا للمشاركة بتناول وجبة طعام معه في شقته حيث كان طباخا جيدا أيضا, وكنا أيضا نشاركه متعته في مشاهدة مباراة كرة القدم والتي نصل فيها إلى الصياح خصوصا عندما يخوضها المنتخب العراقي, وبعدها نعود إلى الحديث عن الفن وتصفيح الكتب الفنية ولديه مجموعه خاصة كانت لديه بعض الملاحظات أو الإضافات أو الشروح على بعض من هذه الكتب.

(( اللون لدى محمد صبري ))

يعد محمد صبري احد الملونين المميزين في الانطباعية والرسم الواقعي حتى أن الفنان الكبير فائق حسن عندما سألناه عن أي من تلاميذه يعتبر ملونا, أشار إلى محمد صبري, يتلاعب باللون والضوء وصولا إلى قيم فنيه مهمة ومؤثرة يرسم وبشكل يومي, واغلب رسوماته كانت الطبيعة بما فيها رسم الموديل الحي داخل المنظر الطبيعي حيث يعشق هذا النوع من الرسم ويعبر عن سعادته وفرحه بذلك وكان يؤمن أن تدريس مادة الألوان يجب أن تكون في الطبيعة مباشرة وهذا ما كان يحقق لنا الحرية في التجربة والمتعة في الاكتشاف أثناء رحلات الرسم تلك, وكانت حدائق الأكاديمية وبساتين الصليخ والفحامة والراشدية مكانا رائعا ومفضلا لدينا جميعا. كان حثه المباشر لنا في عدم الخوف من التجريب جزء من إيمانه بان هذا هو الأسلوب الأمثل في تطوير التجربة ومجال أرحب في اكتشاف الرؤية المستقبلية وطريقة مثلى لان يتعرف على أوسع في قدراته وإمكاناته الإبداعية.

(( الرسم خارج السرب ))

كان محمد صبري يعاني كثيرا من تجاوزات النظام البائد والتي مست كل جانب من جوانب الحياة، وكان يحلم كل يوم بعراق جديد تكون فيه للإنسان قيمة كبيره وحقيقية لكنه مع الأسف رحل مبكرا قبل أن يشهد تناثر الطغاة.

لقد عاش مرحلة الرعب الذي عاشه الكثير من العراقيين ذلك الرعب المتمثل بانتظار الموت الذي كان يسكت النظام البائد صوت الحق وقد عبر عن ذلك بلوحته (اغتيال شاعر) عام 1987 والتي كانت عبارة عن مشهد لحظة اغتيال الشاعر والذي هو (اغتيال صوت الحق) منفذه بطريقة دراماتيكية عكست "اللحظة" والإحساس المفاجئ بالموت. كانت لتلك اللوحة وقعا كبيرا علينا نحن تلاميذ محمد صبري.

((إشكالية المتاجرة بأعمال الفنانين الرواد))

كان قد شاع في التسعينيات تداول بيع وشراء لوحات الفنان الراحل فائق حسن، خصوصا وأن طلبا على تلك اللوحات من داخل وخارج العراق صار يكبر ويتسع يوما بعد يوم... مما شجع بعض مقتنصي الفرص الذهاب إلى ابعد من المتاجرة بلوحات الراحل فائق حسن إلى شراء الأعمال الفنية خصوصا لوحات المنظر الطبيعي التي تقترب من أجواء لوحات فائق حسن، وبتعبير أدق لوحات الفنانين الذين تتلمذوا على يد الراحل فائق حسن ومن ثم إضافة أمضاء فائق حسن إليه بعد أخفاء توقيع الفنان الأصلي وكان احد الضحايا البارزين لتك العملية هو الفنان محمد صبري الذي لم يكن يعلم بما كان يدور في تلك الأيام لبعده الكامل عن مناخات الغش والاحتيال..... وكان أكثر من مارس تلك التجارة في بداية التسعينات شخص أتذكر أسمه الأول فقط (رجاء) وقد زور العشرات بل ربما المئات من الأعمال الفنية وقد تمادى في ذلك لدرجة انه كان يدفع مبالغ إلى بعض الرسامين الشباب لنسخ أعمال فائق حسن ثم بيعها وذلك يفسر ندرة أعمال الفنان محمد صبري والذي كان يرسم بشكل يومي وهذه فرصة أناشد من خلالها تلاميذ الفنان محمد صبري لمتابعة أعمالة الفنية والإشارة إلى عائديتها الحقيقية وتوثيقها بالطريقة المناسبة والتبليغ عنها وفاءا إلى ذلك الفنان الجميل الذي نذر حياته لأكثر من جيل وترك بصمته الجميلة، لو نظرنا إلى دواخلنا جيدا سوف نراها هناك

((كلمة إلى زملائي ))

منذ تخرجي من كلية الفنون الجميلة وحتى لحظة كتابة هذه الرسالة ساهمت بمعارض كثيرة ورسمت كثيرا ودرست وقرأت وسافرت إلى أماكن عديدة للاكتشاف والاستزادة, بل أنني قمت بتدريس الفن في الأردن وأمريكا... وحققت نجاحات اعتز بها. في كل تلك الأماكن وكل تلك النجاحات يرافقني معلمي الرائع محمد صبري واعترف بفضله الكبير علي أمام جميع تلك الأمكنة والمواقف.

وهذا تذكير إلى زملائي الذين تتلمذوا على يد محمد صبري أن لا يجعلوا النجاحات التي أحرزوها في حياتهم تنسيهم واجب تخليد هذا الفنان الجميل كما سيخلدنا الآخرون يوما ما.

حسن موسى

Hamza60@msn.com

 

 

الفنان محمد صبري  ألأول من اليسار

الفنان محمد صبري يرسم الفنان محمد فراي