مدار النقد

بيان الصفدي

 



ذات يوم خالطني شعور غريب من الألم والفرح، فقد فوجئت بقادم جديد إلى دار ثقافة الأطفال في بغداد عام 1979 على ما أعتقد، لم يكن القادم مجهولاً، ولا قادماً إلى مكان ليس له، ولكننا ببساطة كنا نتوقع أنه قتل أو غيّب في السجن طويلاً.
كل هذا لم يحصل، فقد كان مؤيد نعمة بيننا بلحمه، لأن نحافته تمنعني من القول: وشحمه أيضاً.
منذ أيام فقط عرفت أنه غاب الآن إلى الأبد، ذلك الفنان الكبير الذي كان بحق أستاذ رسوم الأطفال في العراق، ورسام الكاريكاتير الرفيع المستوى لا على الصعيد العراقي والعربي، بل إن رسومه وصلت إلى منابر عالمية مهمة، وهو الذي لم يستطع ذات يوم أن يتسلم جائزته العالمية في الكاريكاتير لأن النظام لم يسمح له بالسفر آنذاك.
الآن، وأنا أهدئ قلبي المكسور، وأحاول أن أمنع دموعي من السقوط أتذكره من بعيد، وبيننا دم ونار وتراب وظلام. صحيح أن كل فناني دار ثقافة الأطفال وكتابها كانوا أسرة متماسكة، إلا في حالات استثنائية، لكن كان وبقي لي من هذه الدار صديقان في المقدمة، علي المندلاوي الحي، ومؤيد نعمة الراحل!
كان الراحل يعمل في جريدة (طريق الشعب)، ومع تصاعد الهجمة على الحركة السياسية العراقية، وقع مؤيد نعمة بين ذئاب صدام حسين آنذاك.
الرعب المسيطر جعل الآلاف يوقعون براءات من انتماءاتهم التي اختاروها ببساطة وإيمان، والذين قرروا أن أن يختاروا الصمود جرى معهم ما يبدو الحديث عنه أشبه بالأساطير!
وأمس عندما كنت أستمع إلى (برزان) و(صدام) وهما يراوغان في مسائل القتل والتعذيب شعرت بغضب مكتوم، لأنني واحد من الذين عاشوا وعرفوا كم كان الرعب طاغياً، وقد يطول كل مواطن حتى لو كان في قيادات حكم الطغاة ذاك.
في مجموعتي (دقات القلب) قصيدة اسمها (بورتريه إلى مؤيد نعمة) تبدأ هكذا:
(بنظارة سميكة.. وقميص خفيف..
برجل في الموت.. وأخرى في الحياة..
بنصف ابتسامة..
بريشة من دموع..
يرسم أطفالاً على الرمل..
ونخلة محروقة الجدائل
ووردة طالعة من جدار).
وعلي أن أقرّب المشهد، لأنني كنت أعجب من هذا الجندي المنكسر، والهارب من السياسة والسجن والموت.
ثمة ابتسامة لا تفارق وجهه، ولا أدري ما الذي جعله ينثر الفرح والأمل والود أينما حلّ، كان محبوباً حتى من قبل خصومه المفترضين، وعندما شاهدت في فضائية عراقية زملاءه وطريقة تعبيرهم عن فاجعتهم تذكرت كم كان مؤيد شخصاً لا ينسى.
صحيح أنه كان يكبرنا بسنوات عشر ربما، لكنه كان أستاذنا من ناحية، وصديقنا الحميم من ناحية ثانية. وكم كان سعيداً عندما يفرّ من التزاماته ليرافقنا أنا والجليس الدائم علي المندلاوي، ليصير الشاب الوحيد بيننا، ربما!
مؤيد نعمة لا يتكرر. في فنه وطريقة تعامله مع زملائه، في تعامله مع الحياة نفسها، في تواضعه وحبه للعراق، والناس، والأصدقاء.
شفافيته كانت من النوع الماسي، قد يبيع الدنيا وما فيها حباً لشيء جميل يلمسه ويحميه.
كل الذين ودعوني في العراق عندما غادرتها عام 1982 لم يتركوا فيّ أثراً كما فعل مؤيد نعمة.
لقد ارتبكت، وفاجأتني حركة فعلها مؤيد، طبع فيها وداعنا الأخير.
بعد أن جلسنا في (المرايا) وحين هممت بوداعه، كانت دموعنا تسيل، لكن مؤيد انحنى ممسكاً بيدي وراح يقبلها قائلاً بتأثر:
ـ سأقبل اليد التي ستصافح أصدقائي في الغربة. الغربة! الغربة! آه يا مؤيدّ!