مدار النقد

 

 

أقام الفنان فيصل لعيبي صاحي في 5 آذار معرضاً لمجموعة من أعماله التصويرية ( الأيام الخوالي ) في مدينة ( La Rochelle ) الساحلية في غرب فرنسا ، تضمن المعرض أثنى عشر عملاً زيتياً ، المعرض يستمر حتى 24 من نفس الشهر  ( من الممكن رؤيتها على صفحات موقع الفنان العراقي  http://iraqiartist.com  ) عبر الفنان بها عن مشاهد ونماذج من حياة العراقيين القديمة ، التي جاءت بصيغة ذكريات شخصية أكثر منها تسجيلية تاريخية وبأسلوب معقد ، زاوله الفنان في أكثر من عمل سابق وليس للعنوان علاقة بالأسلوب المتملق الذي تعرفنا عليه في مقتنيات صور المتحف البغدادي.

 

الموضوع

إن عناوين ، مثل البغدادي ، الحلاق ، المصور الشمسي ، صباغ  الأحذية والمقهى التي تشكل من مجموعة ( الأيام الخوالي )  للفنان فيصل لعيبي ، لها علاقة تاريخية بتجربة الفن العراقي في سني الخمسينات والستينات ، على وجه الخصوص ، قبل وبعد ثورة 14 تموز الخالدة ، حيث كان انبثاق وتألق الشخصية الوطنية وتنامي المشاعر الوطنية ، التي دفعت الفنان العراقي ، لهذه الفترة من تاريخ العراق ، على البحث في ثقافة التراث الوطني القديم ، أيضاً ، في البحث عن مواضيع جديدة تمثل الحياة والشخصية العراقية ، التي تجسدت منحصرة في الإشارة إلى المهن القديمة ، النشاطات العامة ، المناظر المعبرة عن الهوية الوطنية ، الأعياد والمناسبات الوطنية من أجل خلق تراثاً ثقافياً وفنياً وطنياً حياً.

يطلق فيصل لعيبي على هذه المجموعة تسمية ( الأيام الخوالي ) وكأن مواضيعه أعدت من أجل التذكير بالماضي ، نعم إنها كذلك ، أو من أجل توفير مادة لمتحف متخصص بدراسة الظاهرة الاجتماعية ، مثل المتحف البغدادي ، لم لا والعراق بحاجة إلى هذا النوع من الفن البعيد عن الافتعال؟ لكن ، أي من الناس ، ليس بالضرورة أن يكون فناناً ، ممن عاش تجربة فيصل لعيبي الطويلة في المهجر ، أو ممكن له الإحساس بهذه المحنة ، يستطيع أن يدرك حالة الحنين للوطن ، التي كانت وراء الدافع الأول للخوض في مواضيع ( الأيام الخوالي ) هذه ، أيضاً ، لم يتم اختيار هذه المواضيع اعتباطاً أو نتيجة لنزوة عابرة عند فيصل لعيبي ، لأن اللغة التشكيلية التي استخدمها الفنان في هذه المجموعة واختيار الموضوع يتطابقان في بعد واحد متحد بمعنى المشاعر الوطنية ، التي هي جزء مكون من تجربة الفنان العراقي عموماً ، التي اغتنت بمعرفة  ثقافية أهلتها في كيفية التعامل مع الموروث الحضاري الوطني القديم والحديث ، إن تجربة الفنان فيصل لعيبي صاحي هي من ضمن هذه التجربة.

 

الأسلوب

استخدم الفنان فيصل لعيبي أسلوباً معقداً في طرح موضوعاً  مألوفاً وبسيطاً وهو كلما عقد من مكونات العملية الفنية لديه تتبسط الصورة وتتخذ جمالاً أضافياً يشد المشاهد المتأمل ويغمره بمتعة مستديمة لا ينقطع رجاءها وهو يتنقل من صورة إلى أخرى. ينكشف هذا الأسلوب في الرؤوس الحليقة ، وجوه الشخصيات التي تطغي عليها ملامح الطفولة والشباب ، الأقدام المتوازية الاتجاه ، الجمع بين زوايا النظر في الرسم ، العمق المسطح المضيء وملامح أخرى سنأتي على متابعتها ، إن كل من هذه المكونات كان قد ارتبط بتجربة فنية خاضها الفنان فيصل خلال مسيرته مع تكامل العملية الفنية لديه ، فالرؤوس الحليقة كان قد استخدمها في الكثير من صوره في سني الثمانينات في مواضيع ظروف فاجعة الحرب العراقية الإيرانية وما تلاها وهي استخدام شكلي استعاره الفنان من النحت البارز السومري من أجل إضفاء سمات وطنية لأسلوبه الشخصي  ، أيضاً ، من أجل ابتداع تعبيراً مميزاً يمثل الشخصية العراقية في مواضيعه الفنية.

 أما الملامح الشابة التي تقترب من ملامح الطفل فهي من مكونات الموروث العربي الإسلامي ، على وجه الخصوص ، في أعمال صور أو منمنمات مدرسة بغداد ، التي نجد لها مصدراً علمياً عند أخوان الصفا في الكلام حول مقياس جسم الوليد الجديد والنسبة الفاضلة التي يتوجب على الفنان المصور أتباعها. فأن لم يكن كذلك فإن أي تأكيد على الوجه اليافع وعمر الورد هو ، بحد ذاته ، دافع للبهجة التي بها يتحقق الجميل ومن ثم تتأكد المتعة في نفس المشاهد ، فالشباب هو الجمال الأزلي.

 أما استخدام اتجاهات أقدام الشخصيات ، ففي الصورة التي يتضمن موضوعها على شخصيات متعددة في وضعيات مختلفة تأخذ الأقدام فيها ، عند بعض الشخصيات ، أوضاعاً واقعية أو طبيعية تعبر عن معنى الفعل الخاص بالشخصية ، مثل  صورتي موضوع المقهى ، في حين إن وضعية الأقدام الغالبة تكون مرسومة بأسلوب الفن السومري ، حيث تكون وضعية القدمين في اتجاه ومستوى واحد.

وأما خلفية مشهد الصورة الذي مثل فضاء صاف ، فهو من الاستخدامات التي زاولها فناني حضارات ما بين النهرين وفناني الشرق المتوسط ، خلال عصور تاريخية امتدت أكثر من خمسة آلاف سنة ، التي كانت قد تضمنت معان مختلفة تغيرت أهدافها بتغير العصر وثقافة المجتمع الذي ينتمي إليه ، إن تكرارها الملح من قبل الفنان فيصل لعيبي هو تأكيد على وعيه بأسلوبية العمق المسطح للصورة الفنية ، الذي يتأكد في النظرة المكعبة الجامعة لأكثر من زاوية للنظر مثلما في الفن السومري ، بالإضافة إلى تجربة الفن المعاصر الذي اسقط الضوء على هذه الأسلوبية القديمة واعني بذلك فناني المدرسة التكعيبية ، الذي طالما وجد فيها الفنان فيصل لعيبي نفسه قريباً منها.

 ربما أهم خاصية يتحلى بها أسلوب الفنان فيصل لعيبي تتلخص في طريقة عرضه للشخصيات في خط واحد مستقيم موازياً لخط أفق الصورة ، أي الحجم النسبي المتساوي للشخصيات ، القيمة الفنية التي ميزت من فنون الحضارة الإسلامية التشكيلية في القرن الوسيط من تاريخ البشرية ، التي يمكن وصفها بالواقعية نسبة لمفاهيم المجتمعات الإسلامية القديمة ،  العلمية والأخلاقية ، التي كانت تحتكم إلى العلم في إنتاجها الثقافي والفني ، أي الاحتكام والركون إلى العقل وما هو معقول في الطبيعة وما فوق الطبيعة وعدم الاعتماد على الحواس وأدواته ، مثل حاسة النظر وأداتها العين التي تخطيء الحكم في الكثير من الحالات المألوفة عند الإنسان ، في رؤية الصغير كبيراً ورؤية الكبير صغيراً ، في حين يكون العقل أكثر أنصافاً في معرفة الجسم الصغير من الكبير ومنحه حقه في الصورة الفنية ، هكذا تكون أجساد الرجال البالغين متساوية الحجم عند أحكام العقل وهي تأتي في خط مستقيم إلا ما ندر. فبالرغم من جمال واقعية هذا الأسلوب القديم الذي أعاد الفنان فيصل لعيبي استخدامه ، فهو أسلوب صعب المراس وغير مقبول ببساطة من قبل العين الغير متمرسة أو العين التي اعتادت أحكام الثقافة الأوربية ، لكن الإمكانية الفذة التي بين يدي الفنان فيصل لعيبي ، من مؤهلات ثقافية وفنية وخبرة طويلة بممارسة خلق الصورة ، جعلته يتجاوز تلك الصعوبة من خلال تأكيده على تداخلات الخطوط على طبائعها ، فالخط المستقيم يتجاوز على الخط المنحني  وهكذا بالعكس ، كذلك الأشكال والشخصيات تتداخل بحرية تامة ، إذ تتجه أنظار البعض من الشخصيات نحو المشاهد أو الفنان المصور ، والقسم الآخر من الشخصيات ينظر باتجاه آخر حيث ثمة فعل مثير للانتباه ، إن هذا التنوع في اتجاه الأنظار والأجساد ينوي خلق إيقاعاً متوافقاً من شأنه تأكيد واقعية  قادرة على إضافة إحساس بالحياة ، الشيء الذي جعل المشهد الواحد مشحون بالحركة بالرغم من الهيئة العامة التي توحي بالهدوء والصمت ، إنه صمت مشحون بالحركة.

 

التحقيق :

تأخذ حرفية العمل في أعمال الفنان فيصل لعيبي صيغة ، لا تختلف هي الأخرى ، عما اتصفت به طريقة تفكيره باختيار القيم الفنية وجمعها في أسلوبه الشخصي ، فهي في غالب الأحيان ، مستوحاة من ذات المصادر الثقافية التي اعتمد عليها في تكوين العملية الفنية لديه ، هذا بالإضافة إلى إنجازاته الشخصية التي صاحبته منذ الطفولة ، أي التراكم المعرفي في ممارسة التصوير مع حسية الموهبة التي جبل عليها وجبلت عليه ، ففي استخدام الظل والضوء في طيات الملابس اعتمد الفنان على ترجمة الظل والضوء الطبيعي في النحت البارز السومري ، ففي حقيقة الأمر ، إن النحت البارز هو نوع من التصوير الذي يعتمد على الضوء في تحقيق واستساغة الشكل أو الموضوع المقترح ، أما خلطه بمفهوم حرفية الفنان الفرنسي الساذج المعروف ( لودوانيه روسو Le Douanier Rousseau ) ليس لها وجه من الصحة بسبب الفرق الشاسع بين تجربتي الفنانيَن اللونية والتشكيلية ومصادر كل منهما ، أيضاً ، الشيء الذي يتفق مع هدف الفنان فيصل في أغناء المشاعر والهوية الوطنية في أسلوبه الفني.

أخذت طريقة استخدام الظل والضوء أهمية عالية في تحديد أسلوب التحقيق عند الفنان فيصل لعيبي في تأكيده على أبراز الحجم في هيئات الشخصيات كما في الجامدات من أثاث وأواني ، التي لخصت تجربته الدراسية واستقاءه من التراث الوطني القديم ، ففي أحجام هيئات الشخصيات ، كأنه يذكرنا من جديد بعظمة وأصالة منحوتات الحضارة السومرية ، مؤكداً على هيئة التماثيل المجسمة التي تقترب من تمثال الملك السومري ( جوديا ) ، التي حققها بطريقة نصف أو ثلث جانبية في أغلب هيئات الرجال ، مثل وضعية البغدادي وزبائن المقهى وكأن وضعية هذه الجلسة خاصة بالشخصية الوطنية العراقية.

تجاوز الفنان ، في الكثير من الحالات ، قاعدة الظل والضوء في تحقيق أجزاء من الصورة الواحدة إلى استخدام لوناً مضيئاً دون تدخل أمور طبيعية أو فنية زائدة في تحقيق التجسيد ، التي كان من شأنها خلق أجواء حيوية مبهجة أضافية في الصورة.

لعل الفكرة الأكثر أهمية في استخدام اللون من اجل التعبير عن الضوء هو جعل الصورة ذاتها المصدر الأساسي للضوء ، الضوء الحياة ، الأجواء الفردوسية المقدسة ، التي طالما استخدمت في الفنون الشرقية القديمة ، في الفن المسيحي والإسلامي. من الملاحظ إن الفنان فيصل لعيبي يميل محبذاً الألوان الأكاديمية ، مثل تلك التي تعود الفنانون على تسميتها بأطياف الرصاصيات ، التي تنحصر ما بين البني والأزرق وما بينهما ، التي تنتمي إليها مشاعر الفنان فيصل لعيبي ، فهي أقرب الألوان طبيعية من نفسه ، أما انعطافه على الألوان الواضحة الضوئية ، أعني الألوان الخالصة ، الزاهية ، يرجع إلى ثقافة الفنان المعرفية والحسية بسبب انفتاحه على ملاحظات وتقييمات المقربون إليه من فنانين وأساتذة كان قد عرفهم.  

 

الأزياء

تخلو صور موضوع ( الأيام الخوالي ) من الأزياء الأوربية ، فما عدا الزّي العسكري الذي نلتقي به في صورة موضوع المقهى أو في صورة موضوع المصور  الشمسي تقتصر بقية الأزياء على الملبس الوطني العراقي ، الصاية ، العباءة ، الدشداشة ، الچراوية ، الصديري ، الياشماغ والعقال ، أزياء لها وزن مهم  ومعنى مباشر في أعمال فيصل لعيبي ( فهي تدعم الموضوع الذي يطمح الفنان التعبير عنه أن لم تكن هي الموضوع بالذات ) وحتى في حالة موضوع المصور الشمسي والحلاق والمكوچي وصباغ الأحذية ، فإن البنطال يفقد معناه على يد فيصل ليصبح سروالاً شرقياً ، أما في طريقة تقصيره حتى ظهور عضلة ساق الشخصية ( ضرورة فنية لا تنتمي إلى واقع الحال ) أو في اتخاذه لوناً زاهياً ، أو الاثنين معاً.

إن للزي عند فيصل لعيبي أبعاد اجتماعية واضحة تفصح عن الحالة الاجتماعية أو الانتماء الاجتماعي للشخصية ، حيث نلتقي بابن المدينة وبابن الريف وما بين الاثنين ، من فقراء المدينة ، أيضاً ، أنها مشحونة بالمعاني الأدبية حتى يمكن لها أن تقص علينا صفحات خافية من حياة شخصياتها ، فالمصور الشمسي يمارس مهنة التصوير منذ زمن قريب ، إنه كان قد أنهى خدمته العسكرية منذ شهور قلة ، فهو ما زال يكتسي قميصه وبنطاله العسكري ، أيضاً ، في ملابس صباغ الأحذية الذي يفصح عن فقره ، فالقميص العريض الذي ارتداه لا يلائم جسد الصبي الصغير، أيضاً ، انعدام توافقه بأي حال مع الفانيلا المشطبة والسروال الأزرق. أما الحذاء المفتوح ( الچركز ) الصيفي ، مع الجوارب الشتوية تشير إلى طقس خريفي عراقي معتدل نسبياً. وثمة ملاحظات أخرى حول أنواع الأحذية وأشكالها تدخل ضمن الإشارة إلى سني انتشارها التي تمثل ذكريات الحياة الماضية التي تثير حالة الحنين الطبيعية عند الإنسان نحو سني طفولته وهي أيضاً نوع من اللعبة التي يمارسها الفنان فيصل لعيبي من أجل إثارة فضول المشاهد.

 

الأشياء

تدخل مجموعة الأشياء التي أخذت حيزاً مهماً ودوراً أساسياً في عملية تشكيل الصورة وفي التعبير عن حالة واقعية الموضوع الذي أراده الفنان ، ففي موضوع المقهى نرى الأواني ، الأباريق ، كؤوس الشاي ، أطباق الفافون ، لعبة النرد والنر?گيلة ، باختصار، كل شيء يدخل في عمل خدمة الزبائن ويذكر بأجواء الحياة في المقهى ، وهو فعل لا يمكن أن يتحقق إلا في مخيلة أو ذاكرة الفنان ، والبعض منها يكون مقحماً بسبب من تداخل الماضي والحاضر ، تداخل القديم والجديد ضمن حالة نشاط الذاكرة أو الحلم الذي لا يختلف كثيراً من طبيعة العملية الفنية في حالة اكتمالها.

 

الموقف الإنساني

بالإضافة إلى المضامين العامة التي ذكرت في هذا المقال ، ثمة قيمة أخلاقية لا زمت الفنان فيصل لعيبي في حياته الشخصية وفي أعماله الفنية السابقة واللاحقة لمجموعة ( الأيام الخوالي ) وأعني بذلك الموقف الإنساني للفنان ، الذي تخلل مقتحماً هدوء هذه الصور الفنية المريب ، فوضعية المرأة في صورة ( علاقة ؛ رجل وامرأة ) بانحنائها نحو انتشال حذاء زوجها الأعور المتغطرس وتعبير الحزن على وجهها الجميل الذي شخص وجه المشاهد ، وحالها تقول : (  أترى؟ أنت شاهد على حياتي. ) ، الذي يفصح عن معنى إضافي هو موقف الفنان الإنساني من وضع المرأة العراقية بالأمس واليوم.

 

                                                                    إلى الفنان فيصل مع التقدير..

 

عباس باني حسن العتّابي ـ فرنسا

 

abbashasan@hotmail.fr

abbhasan@gmail.com